وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين
[النمل: 14]. فما هو الاستيقان هنا؟ لقد قال أصحاب أبي له: ما أجزعك إنما هو خدش فقال أبي: والذي نفسي بيده لو كان الذي بي بأهل الحجاز لماتوا جميعا. لكن أصحاب أبي قالوا له مرة أخرى: لا بأس عليك يا أبي إنه خدش بسيط. لكن أبي يقول: - لا والله لقد علمت أنه يقتلني لأنه قال لي بمكة: " أنا قاتلك إن شاء الله " فوالله لو بصق علي لقتلني.
فمات وهم قافلون به إلى مكة. هذا يحدث من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في موقف الضعف والإنهاك، ويشاء له الله أن يقتل جبارا من جبابرة قريش وهو في هذه الحالة. إن كان ذلك لأدلة تثبت لهم أن البشرية المادية لا علاقة لها مطلقا بمدد النصر من الله فالله يمد رسوله حتى في وقت الضعف. ومدده سبحانه لرسوله وقت ضعف الرسول هو إعلام بقيوميته سبحانه على جنوده لأنهم لو ظلوا أقوياء لقيل في عرف البشر: أقوياء وغلبوا. لكن ها هو ذا الرسول يصيب الجبار من قريش في مقتل والرسول ضعيف، وبعد ذلك يعطي الحق سبحانه لرسول الله أشياء إيمانية تزيده ثقه بأنه هو رسول الله، وتزيد المؤمنين ثقة بأنه رسول الله. لقد خرج إلى المعركة وهو يعلم بما سيكون فيها لأنه قال:
" إني قد رأيت والله خيرا رأيت بقرا تذبح ورأيت في ذباب سيفي ثلما، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة ".
وقال صلى الله عليه وسلم:
" لقد رأيتني يوم أحد وما في الأرض قربي مخلوق غير جبريل عن يميني وطلحة عن يساري ".
إذن فالمعركة بكل أحوالها عرضت عليه، ومع ذلك أقبل رسول الله على المعركة ليستدل من ذلك على أن الله أعطاه المناعة قبل أن يخوض المعركة. هذا ما يتعلق به صلى الله عليه وسلم، لقد رأى فأول، وأما الذي يتعلق بالناس، فيأتي إلى واحد من قتلى المعركة - وقتلى المعركة، لا يغسلون لأن الذي يغسل هو من يموت في غير معركة - يأتي الرسول إلى واحد من هؤلاء الشهداء فيقول: " إن صاحبكم لتغسله الملائكة " - يعني حنظلة - المؤمنون يرون أنه صلى الله عليه وسلم قد خرج عن القاعدة في الشهداء. كيف؟ لقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بالخبر بعد ذلك.. ولا يخرج حنظلة عن قانون الشهداء أنه يغسل.. ولكن الذي يغسله هم الملائكة.. إن الملائكة تغسل حنظلة. وبعد أن رجع رسول الله إلى المدينة يسأله أهله ما شأنه.. فيعلم أن حنظلة قد دخل بعروسه.. ثم نودي للمعركة.. فأعجله نداء المعركة.. فذهب إلى المعركة جنبا.. فذلك غسل الملائكة له، لقد تأكد الخبر من زوجة حنظلة.. إذن فهذه شهادة أخرى أن الله سبحانه وتعالى لم يتخل عنهم في أوقات الضعف، وأن تلك العملية كانت عملية مقصودة. إن الحق سبحانه وتعالى يعطي الرسول صلى الله عليه وسلم أشياء لتؤكد لنفسه أنه رسول الله. ألم نقل سابقا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء له صحابته فقالوا يا رسول الله: إن جابر بن عبد الله عليه دين ليهودي وأجل الدين إلى جز التمر وتمره خاس هذا العام أي فسد من آفة مثلا فنحب يا رسول الله أن تطلب من اليهودي أن ينظر جابرا - أي ينتظر عليه ويؤخره إلى وقت آخر - فذهب رسول الله إلى اليهودي وطلب منه أن ينظر جابرا، فلم يرض اليهودي وقال: لا يا أبا القاسم.
فأعاد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال اليهودي: لا يا أبا القاسم. فأعاد عليه الرسول مرة ثالثة فقال اليهودي: لا يا أبا القاسم.. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بثقة الإيمان بالله ما معناه: يا جابر اذهب بي إلى بستانك. وذهب رسول الله فجاس خلال النخل، ثم ذهب إلى عريش جابر الذي يجلس فيه، واضطجع وقال: يا جابر جز واقض. قال جابر: فذهبت فجززت، فإذا ما جززته يؤدي ما علي لليهودي ويبقى لي ما لم يبق لي وأنا غير مدين. فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أشهد أني رسول الله ". إن الحق سبحانه يعطي رسوله بينات توضح أنه رسول الله، فاليهودي لم يرض شفاعة النبي، فيعطي الله رسوله ما يؤكد أنه رسول الله. وهكذا نرى أن الله يعطي رسوله في وقت الضعف الأدلة التي تؤكد له أنه رسول الله. والذي يدل على ذلك هؤلاء الذين أحبوا أن يؤذوه في اسمه. إن اسمه محمد كما نعرف، و " محمد " أي الممدوح من الكل، وبكثرة، فيأتي خصومه ويريدون أن يهجوه وأن يلعنوه، فيصرفهم الله سبحانه وتعالى حتى عن شتم الاسم لا المسمى فقط. إن الله أراد أن يصعد العصمة، وأراد - سبحانه - ألا ينالوا بالسباب من اسم رسول الله، فألهم الله خصوم رسول الله أن يسموا المشتوم عندهم " مذمما " بدلا من " محمد ". وعندما يريدون اللعن، فهم لا يلعنون الاسم محمدا ولكنهم يسبون الاسم الذي اختاروه وهو " مذمم " ، فيضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سمع ما قالته أم جميل امرأة أبي لهب: " مذمما عصينا.. وأمره أبينا.. ودينه قلينا ". وهي تقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد حدث أن حمالة الحطب أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد عند الكعبة ومعه أبو بكر الصديق وفي يدها حجر فلما وقفت عليهما أخذ الله ببصرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ترى إلا أبا بكر فقالت: يا أبا بكر أين صاحبك؟ فقد بلغني أنه يهجوني والله لو وجدته لضربت بهذا الحجر فاه أما والله إني لشاعرة وقالت ما قالت.