تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

" ألا تعجبون لما يصرف الله عني من أذى قريش يشتمون مذمما ويلعنون مذمما وأنا محمد ".

هكذا نرى من أفواه الحاقدين على رسول الله أنه معصوم بإرادة الله، حتى الاسم أبعده الله عن اللعن، أما المسمى فلن يلعن ولن يشتم. إن ما حدث في غزوة أحد كان هو التربية الأولى لصحابة رسول الله، والتأكيد على صدق بلاغه عن الله. إن هذه المعركة قد صورت ذلك وجسدته، ولذلك حين نلحظ المعارك التي جاءت بعد هذه المعركة فإننا لا نجد للمؤمنين هزيمة أبدا، لأنهم صفوا التصفية وربوا التربية التي جعلت كل واحد منهم عارفا أن الله يعلم ما يخفيه وإن لم يحسن البلاء والجهاد فسيفضح الله ما في نفسه، وسيعلن الله عنه لذلك دخل كل مؤمن منهم المعارك وهو مقبل على الجهاد، وكل المعارك بعد أحد جاءت نصرا وجاءت سلاما. وهنا يعلمنا الحق أن البقاء على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم هو النجاة وهو النصر، ويحذرنا سبحانه ألا ينقلب المؤمن على عقبيه، قال لنا: ﴿ أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ﴾ [آل عمران: 144]. ﴿ ومن ينقلب على عقبيه ﴾ [آل عمران: 144] هي صورة حركية مادية مرئية. وقد حدث ذلك من بعض الصحابة في معركة أحد، لقد فر البعض وانقلب بعضهم إلى المدينة، ومعنى " انقلب " أي أعطى ظهره للمعركة بعد أن كان مواجها لعدوه، وهي مثل قوله: " ولوا الأدبار ". ولكن في قوله: ﴿ انقلبتم على أعقابكم ﴾ [آل عمران: 144] فيه انقلاب حسي أيضا، وفيها كذلك انقلاب نفسي، وهو الانصراف عن أصل الدين، ولذلك سيعرفنا الحق أن المنافقين بعد حدوث تلك الواقعة وبعد ما فشا وذاع في الناس قتل الرسول كان لهم كلام، وضعاف الإيمان كان لهم كلام آخر فالمنافقون الذين هم أكثر شرا من الكفار قالوا: لو كان نبيا لما قتل، ارجعوا إلى إخوانكم وإلى دينكم. أما الذي آمنوا إيمانا ضعيفا فقالوا: سنذهب إلى ابن أبي ليأخذ لنا أمانا من أبي سفيان. فيقف أنس بن النضر قائلا: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - أي المنافقون - وأعتذر إليك مما يقول هؤلاء - أي ضعاف الإيمان -. لقد وزعها بالحق فهو يبرأ إلى الله من قول المنافقين الذين قالوا: إنهم سيعودون إلى دينهم القديم، ويعتذر ويستغفر عن ضعاف الإيمان. ويقول سبحانه: ﴿ ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا ﴾ [آل عمران: 144]. لماذا؟ لأن الله أزلا وقبل أن يخلق شيئا من خلقه له كل صفات الكمال، إذن فأي صفة من صفات الكمال لم تطرأ عليه - سبحانه - من خلقه، إنه - سبحانه - أوجد الكون بما فيه الخلق لأنه قادر، وأوجده لأنه حكيم، وأوجده لأنه عالم، إذن فخلق الخلق لم يزد الله صفة من صفاته، فحين خلقكم وصنعكم أعطى لكم المنهج لتكونوا خلقا سويا.

إذن فالمصلحة تعود علينا نحن الخلق، فكان يجب أن تنظروا إلى المناهج التي تأتي من الله على أنه لا نفع فيها لله، ولكن النفع فيها عائد عليكم. ولذلك فمن يلحظ هذه، فهو يعرف أن ربنا يستحق الشكر على أنه كلفنا بالمنهج. ولذلك جاءت الآية من بعد ذلك لتقول: ﴿ وسيجزي الله الشاكرين ﴾ [آل عمران: 144] لأن الشكر إنما يؤديه العبد على نعمة، نعمة تمحيص وتعليم وبيان مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم من ربه. لقد تعلم المؤمنون أن الله يستحق منهم الشكر على هذه النعم. وبعد ذلك ينتقل بنا الحق إلى قضية عامة، القضية العامة للناس جميعا هي: ﴿ وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٧٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٧٦٢