وقوله الحق: ﴿ أفإن مات أو قتل ﴾ [آل عمران: 144] قول واضح، وسبق أن تعرضنا إلى الموت وإلى القتل، وقلنا: إن الموت والقتل مؤداهما واحد، وهو الذهاب بالحياة، إلا أن الذهاب بالحياة مرة يكون بنقض البنية التي لا تسكن الروح فيها إلا بمواصفاتها، فإن نقضت البنية ولم تجد الروح المسكن الملائم لها تتركه، لكن الموت على إطلاقه: هو أن تذهب الحياة بدون نقض البنية، فالإنسان يذهب حتف أنفه، أي نجده قد مات وحده. إذن فنقض البنية يؤدي إلى ذهاب الحياة بالقتل لأن الروح لا تسكن في مادة إلا بمواصفات خاصة، فإذا انتهت هذه المواصفات ذهبت الروح. لكن عندما تذهب الروح بمفردها بدون نقض للبنية فهذا هو الموت لا القتل. والله سبحانه يقول: ﴿ أفإن مات أو قتل ﴾ [آل عمران: 144] ذلك أنهم أشاعوا أن النبي قد قتل. وكيف يجوز ذلك على الصحابة والله قد قال:
والله يعصمك من الناس..
[المائدة: 67]. وهنا نقول: هل أنت علمت أن هذه الآية قد نزلت قبل أحد أو بعدها؟ وهل أنت حسن الظن بأن كل صحابي يكون مستحضرا لكل آيات القرآن في بؤرة شعوره؟ ألا ترى أنهم عندما سمعوا خبر قتله هربوا، وإذا كان سيدنا عمر قد نسي هذه الآية: ﴿ أفإن مات أو قتل ﴾ [آل عمران: 144] كما أنه يحتمل أن يكون المراد من عصمة الله رسوله من الناس أنه - سبحانه - يحفظه من فتنة الناس وإذلالهم. وهكذا أراد الله أن تمثل لنا معركة أحد كل الطوائف والأصناف التي تنسب إلى الإيمان تمثيلا يتضح في موقف ابن أبي حيث انخذل وانقطع عن رسول الله بثلث القوم، ومرحلة أقل منها، تتمثل في طائفتين همتا، ثم شاء الله أن يربط على قلوبهما فيظلا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما نشبت المعركة كان للرماة موقف في المعركة الأحدية. فحين رأوا النصر أولا ورأوا الغنائم سال لعاب بعضهم على الغنائم، فحصل انشقاق فيهم، فعبد الله بن جبير وهو رئيس الرماة ومعه من معه من القلة يصر على تنفيذ أمر رسول الله فيقاتل حتى استشهد، واستشهدوا وهؤلاء هم الذين أرادوا الآخرة. بينما كان هناك قوم آخرون أرادوا الغنائم، وحينما أشيع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل فرت البقية الباقية من الرماة وغيرهم من المعركة، ورسول الله ينادي القوم:
" إلي عباد الله إلي عباد الله ".
كل هذه مصاف إيمانية تمثل لنا كيف يصفي الله مواقف المنسوبين إليه. وتظهر وتوضح موقف كل واحد، وأنه مفضوح إيمانيا إن وقف موقفا يخالف منهج الله. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم - في هذا الوقت - في موقف الإنهاك لقوته البشرية لدرجة أننا قلنا: إنه أراد أن يصعد فلم تقو مادته البشرية، فطأطأ طلحة ظهره ليصعد النبي عليه، وهو في هذه المرحلة من الإنهاك المادي البشري يريد الحق سبحانه وتعالى أن يعطيه من القوة في هذا الضعف وفي هذا الإنهاك ما يقف به أمام جبار من جبابرة قريش.
كان هذا الجبار يتهدده. ولو أن الموقف كان موقف قوة لرسول الله أكان من المعقول أن ينتصر رسول الله على جبار قريش؟ ولكن الله يريد أن يرينا تأييد الله لرسوله، في موقف إنهاكه وكيف يقف من جبار قريش هذا الموقف، هذا الجبار هو " أبي بن خلف الجمحي " وكانت عنده رمكة فيقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه الرمكة أنا أعلفها كل يوم فرقا من ذرة لأقتلك عليها. فيقول له رسول الله قولة الواثق من أن ربه لن يخذله:
" بل أنا أقتلك إن شاء الله ".
لم يلتق هذا الرجل مع رسول الله وهو في قوته، ولكنه جاء لرسول الله وهو في هذا الموقف الذي أثخنته فيه الجراح وكسرت رباعيته ودخلت حلقتا المغفر في وجنتيه وسال دمه. وبعد ذلك يأتي إليه هذا الرجل " أبي بن خلف الجمحي " وهو يقول: أين محمد؟ لا نجوت إن نجا، فقال القوم: يا رسول الله أيعطف عليه رجل منا؟ فيشير إليهم رسول الله أن اسكتوا. إنه - رسول الله - لايريد قوة لقوة، ولكنه علم أن أبيا قد عرف أن رسول الله منهك فجاء في هذا الوقت، فأخذ رسول الله الحربة، وضرب أبي بن خلف بها فنالت منه، فسقط من على فرسه يخور كما يخور الثور، فقال له أصحابه: " لا بأس عليك يا أبي، ما أجزعك: إنما هو خدش ". وهذا الذي قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي اشتد عليه غضب الله تعالى لما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال: " اشتد غضب الله على من قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده في سبيل الله واشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ". ولننظر كيف أن الذين عادوا رسول الله صلى عليه وسلم استكبارا وعنادا، ولم يعادوه عقيدة قلبية، إنهم يعتقدون صدقه، ويعتقدون حسن بلاغه عن الله، ويتحقق ذلك من قوله سبحانه وتعالى: