تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

علينا أن نتذكر الشرط السابق، لا لعدم الهزيمة. بل للعلو والنصر:

وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين

[آل عمران: 139]. إن الحق سبحانه في مسألة مداولة الأيام ينبه المؤمنين الذين تخلخل إيمانهم: ما دمتم اشتركتم معهم في كونكم مجرد " أناس " فيصبح النصر يوما لهم ويوما لكم، والذكي العبقري الفطن الذي يحسن التصرف هو من يغلب لأن المعركة هنا تدور بين قوة بشر مقابل قوة البشر. وما دام المسلمون قد تخلوا عن منهج الله فقد صاروا مجرد بشر في مواجهة بشر. ولذلك قلنا: إنه عندما تخلى الرماة عن إنفاذ أمر القائد الأعلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهرت عبقرية خالد بن الوليد على عبقرية المقاتلين المسلمين. ويجب أن نلحظ في قوله الحق: ﴿ وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ [آل عمران: 140] إننا لا يمكن أن نقول: إن مداولة الأيام تكون بين المؤمنين والكافرين، إنما هي بين الناس لأن الناس هم مجموعة الإنسان، فإن تجردوا عن منهج السماء فهم سواسية، وصاحب الحيلة يغلب، أو صاحب القوة يغلب، أو صاحب العدد أو العدة يغلب. ولكن ما الذي يعوض كل تلك الإمكانات ويحقق النصر؟ إنك إن تأخذ الله في جانبك فلن يجرؤ مخلوق أن يكون في مواجهة الحق في معركة. لقد قلنا قديما وعلينا أن نعيها جيدا: إن الولد الصغير حينما يضطهده زملاؤه فيلجأ إلى حضن أبيه، عندئذ ينصرف كل منهم إلى حاله، لكن أقرانه يستطيعون أن يهزموه عندما يبتعد عن أبيه. فما بالنا ونحن عيال الله؟ وكذلك شأن الكفار مع المؤمنين. إن الكفار قادرون على الانفراد بالمؤمنين حينما يتخلى المؤمنون عن منهج الله لأن الله لن ينصر أناسا ليسوا على منهجه، فلو نصر الله أناسا على غير منهجه فإن ذلك يبطل قضية الإيمان. وعندما نستقرئ القرآن الكريم نجد أن كل خبر عن الإنسان وهو معزول عن المنهج الإلهي هو خبر كله شر. فسبحانه يقول:

والعصر * إن الإنسان لفى خسر

[العصر: 1-2]. إن الإنسان على إطلاقه لفي خسر، ولكن من الذي ينجو من الخسران؟ وتأتي الإجابة من الحق فيقول:

إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر

[العصر: 3]. وتتأكد القضية في موضع آخر من القرآن الكريم فيقول - سبحانه -:

إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا * إلا المصلين

[المعارج: 19-22]. إذن كل كلام - في القرآن - عن الإنسان على إطلاقه يأتي من ناحية الشر. وما الذي ينجيه من ذلك؟ إنه المنهج الإلهي. إذن فقوله الحق: ﴿ وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ [آل عمران: 140] تحمل تأنيبا ولذعة خفيفة لمن أعلنوا الإيمان ولكنهم تخلفوا عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحد.

وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: ﴿ وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهدآء والله لا يحب الظالمين ﴾ [آل عمران: 140]. ففي وقت النصر نجد حتى الذي لم يشترك في المعركة يريد أن يدخل نفسه ضمن المنتصرين. لكن وقت الهزيمة فالحق يظهر، والذي يظل في جانب الهزيمة معترفا بأنه شارك في نزولها بالمسلمين وإن لم يكن شارك فقد عذر أو لام من كان سببا فيها، وهو مع ذلك يسهم في حمل أوزارها وآثارها الضارة، ويتحمل ويشارك في المسئولية، إنه بذلك يكون صادقا. وقد يقول قائل: هل الله لا يعلم الذين آمنوا؟ لا، إنه سبحانه وتعالى يعلم الذين آمنوا سواء حدثت معركة أو لم تحدث. لكن علم الله الأزلي الغيبي لا نرى نحن به الحجة، ولذلك لا تكون الحجة ظاهرة بيننا، ولكن حين يبرز علم الله إلى الوجود أمامنا فإنه علم تقوم به الحجة واضحة على من آمن، وعلى من لم يحسن الإيمان، وذلك حتى لا يدعي أحد لنفسه أنه كان سيفعل، لكن الفرصة لم تواته. وهكذا تأتي المواقف الاختبارية والابتلاءات ليعلم كل منا نفسه وتبرز الحجة علينا جميعا. إذن: فهناك فرق بين علم الله الأزلي للأشياء كما سوف تحدث، ولكن لا تقوم به الحجة علينا. فقد يدعي البعض أنه لو قامت معركة شديدة فإنهم سوف يصمدون، ولكن عندما تقوم المعركة بالفعل فنحن نرى من الصامد ومن هو غير ذلك من المتخاذلين الفارين؟ ولنضرب لذلك مثلا ولله المثل الأعلى: نحن في حياتنا العادية نجد أن عميد إحدى الكليات يأتي إلى المدرس ويقول له: نحن نريد أن نعقد امتحانا لنتعرف على المتفوقين من الطلاب، ونمنح كلا منهم جائزة. فيرد المدرس: ولماذا الامتحان؟ إنني أستطيع أن أقول لك: من هم المتفوقون، وأن أرتبهم لك من الأول ومن الثاني وهكذا. لكن عميد الكلية يصر على أن يعقد امتحانا حتى لا يكون لأحد حجة، ويختار العميد مدرسا آخر ليضع هذا الامتحان. وتظهر النتيجة ويكون توقع المدرس الأول هو الصائب، وهكذا يكون تفوق هؤلاء الطلاب تفوقا بحجة. وإذا كان ذلك يحدث في المستوى البشري فما بالنا بعلم الله الأزلي المطلق؟ إن الحق بعلمه الأزلي يعلم كل شيء ومحيط بكل شيء، وهو سبحانه لا يقول لنا: أنا كنت أعلم أنكم لو دخلتم معركة ستفعلون كذا وكذا.. وكان يمكن أن يجادلوا ويدعوا لأنفسهم أشياء ليست فيهم، لكن الحق يضع المعركة وتكون النتيجة مطابقة لما يعلمه الله أزلا. إذن فالتغيير هنا لا يكون في علم الله، لكن التغيير يكون في المعلوم لله، ليس في العالم بل في المعلوم بحيث نراه حجة علينا. ويقول الحق: ﴿ ويتخذ منكم شهدآء ﴾ [آل عمران: 140] وساعة تسمع كلمة " يتخذ " هذه اعرف أنها اصطفاء واختيار.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٧٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٧٥٥