ومهمة المحكم أن نعمل به، ومهمة المتشابه أن نؤمن به بدليل أنك إن تصورته على أي وجه لا يؤثر في عملك. فقوله الحق:
لا تدركه الأبصار
[الأنعام: 103] لا يترتب عليه أي حكم، وهنا يكفي الإيمان فقط. لكن ماذا من أمر الذين قال عنهم الله: ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ﴾ [آل عمران: 7]؟. ولنا أن نعرف أن " الزيغ " هو الميل، فزاغ يعني مال، وهي مأخوذة من تزايغ الأسنان، أي اختلاف منابتها، فسنة تظهر داخلة، وأخرى خارجة، وعندما لا تستقيم الأسنان في طريقة نموها يصنعون لها الآن عمليات تجميل وتقويم ليجعلوها صفا واحدا. إن الذين في قلوبهم زيغ أي ميل، يتبعون ما تشابه من الآيات ابتغاء الفتنة. كأن الزيغ أمر طارئ على القلوب، وليس الأصل أن يكون في القلوب زيغ، فالفطرة السليمة لا زيغ فيها، لكن الأهواء هي التي تجعل القلوب تزيغ، ويكون الإنسان عارفا لحكم الله الصحيح في أمر ما، لكن هوى الإنسان يغلب فيميل الإنسان عن حكم الله. والميل صنعة القلب، فالإنسان قد يخضع منطقه وفكره ليخدم ميل قلبه، ولذلك فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ".
لماذا؟ لأن آفة الرأي الهوى، وحتى المنحرفون يعرفون القصد السليم، لكن الواحد منهم ينحرف لما يهوى، ودليل معرفة المنحرف للقصد السليم أنه بعد أن يأخذ شرته في الانحراف يتوب ويعلن توبته، وهذا أمر معروف في كثير من الأحيان لأن الميل تكلف تبريري، أما القصد السليم فأمر فطري لا يرهق، ومثال ذلك: عندما ينظر الإنسان إلى حلاله، فإنه لا يجد انفعال ملكة يناقض انفعال ملكة أخرى، ولكن عندما ينظر إلى واحدة ليست زوجته، فإن ملكاته تتعارك، ويتساءل: هل ستقبل منه النظرة أم لا؟ إن ملكاته تتضارب، أما النظر إلى الحلال فالملكات لا تتعب فيه. لذلك فالإيمان هو اطمئنان ملكات، فكل ملكات الإنسان تتآزر في تكامل، فلا تسرق ملكة من وراء أخرى. مثال آخر: عندما يذهب واحد لإحضار شيء من منزله، فإنه لا يحس بتضارب ملكاته، أما إذا ذهب إنسان آخر لسرقة هذا الشيء فإن ملكاته تتضارب، وكذلك جوارحه لأنها خالفت منطق الحق والاستقامة والواقع. ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ﴾ [آل عمران: 7] إذن فاتباعهم للمتشابه منه ليؤولوه تأويلا يخالف الواقع ليخدموا الزيغ الذي في قلوبهم. فالميل موجود عند قلوبهم أولا، ثم بدأ الفكر يخضع للميل، والعبارة تخضع للفكر، وهكذا نرى أن الأصل في الميل قد جاء منهم.
. ولننظر إلى أداء القرآن الكريم حين يقول:
فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم..
[الصف: 5]. كأنه يقول: ما دمتم تريدون الميل فسأميلكم أكثر وأساعدكم فيه. والحق سبحانه لا يبدأ إنسانا بأمر يناقض تكليفه، لكن الإنسان قد يميله هواه إلى الزيغ، فيتخلى الله عنه: ويدفعه إلى هاوية الزيغ. وآية أخرى يقول فيها الحق:
وإذا مآ أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون
[التوبة: 127]. إنهم الذين بدأوا انصرفوا عن الله فصرف الله قلوبهم بعيدا عن الإيمان. وكذلك الذين يتبعون المتشابه يبتغون به الفتنة أي يطلبون الفتنة، ويريدون بذلك فتنة عقول الذين لا يفهمون، وما داموا يريدون فتنة عقول من لا يفهمون فهم ضد المنهج، وما داموا ضد المنهج فهم ليسوا مؤمنين إذن، وما داموا غير مؤمنين فلن يهديهم الله إلى الخير، لأن الإيمان يطلب من الإنسان أن يتجه فقط إلى الإيمان بالرب الإله الحكيم، ثم تأتي المعونة بعد ذلك من الله. لكن عندما لا يكون مؤمنا فكيف يطلب المعونة من الله، إنه سبحانه يقول: أنا أغنى الشركاء عن الشرك. إنهم يبتغون الفتنة بالمتشابه، ويبتغون تأويله، ومعنى التأويل هو الرجوع، لأننا نقول: " آل الشيء إلى كذا " أي رجع الشيء إلى كذا، فكأن شيئا يرجع إلى شيء، فمن لهم عقل لا زيغ فيه يحاولون جاهدين أن يؤولوا المتشابه ويردوه إلى المحكم، أو يؤمنوا به كما هو. يقول الحق بعد ذلك: ﴿ وما يعلم تأويله إلا الله ﴾ [آل عمران: 7] إن الله لو أراد للمتشابه أن يكون محكما، لجاء به من المحكم، إذن فإرادة الله أن تكون هناك آيات المتشابه ومهمتها أن تحرك العقول، وذلك حتى لا تأتي الأمور بمنتهى الرتابة التي يجمد بها عقل الإنسان عن التفكير والإبداع، والله يريد للعقل أن يتحرك وأن يفكر ويستنبط. وعندما يتحرك العقل في الاستنباط تتكون عند الإنسان الرياضة على الابتكار، والرياضة على البحث، وليجرب كل واحد منا أن يستنبط المتشابه إلى المحكم ولسوف يمتلك بالرياضة ناصية الابتكار والبحث، والحاجة هي التي تفتق الحيلة. إن الحق يريد أن يعطي الإنسان دربة حتى لا يأخذ المسائل برتابة بليدة ويتناولها تناول الخامل ويأخذها من الطريق الأسهل، بل عليه أن يستقبلها باستقبال واع وبفكر وتدبر.