أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالهآ
[محمد: 24]. كل ذلك حتى يأخذ العقل القدر الكافي من النشاط ليستقبل العقل العقائد بما يريده الله، ويستقبل الأحكام بما يريده الله، فيريد منك في العقائد أن تؤمن، وفي الأحكام أن تفعل ﴿ وما يعلم تأويله إلا الله ﴾ [آل عمران: 7]. والذين في قلوبهم زيغ يحاولون التأويل وتحكمهم أهواؤهم، فلا يصلون إلى الحقيقة.
والتأويل الحقيقي لا يعلمه إلا الله. قد رأينا من يريد أن يعيب على واحد بعض تصرفاته فقال له: يا أخي أتدعي أنك أحطت بكل علم الله؟ فقال له: لا. قال له: أنا من الذي لا تعلم. وكأنه يرجوه أن ينصرف عنه. والعلماء لهم وقفات عند قوله الحق: ﴿ وما يعلم تأويله إلا الله ﴾ [آل عمران: 7]: بعضهم يقف عندها ويعتبر ما جاء من بعد ذلك وهو قوله الحق: ﴿ والراسخون في العلم ﴾ [آل عمران: 7] كلاما مستأنفا، إنهم يقولون: إن الله وحده الذي يعلم تأويل المتشابه، والمعنى: ﴿ والراسخون في العلم ﴾ [آل عمران: 7] أي الثابتون في العلم، الذين لا تغويهم الأهواء، إنهم: ﴿ يقولون آمنا به كل من عند ربنا ﴾ [آل عمران: 7] وهو ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، إن الراسخين في العلم يقولون: إن المحكم من الآيات سيعلمون به، والمتشابه يؤمنون به، وكل من المتشابه والمحكم من عند الله. أما من عطف وقرأ القول الحكيم ووقف عند قوله: ﴿ والراسخون في العلم ﴾ [آل عمران: 7] نقول له: إن الراسخين في العلم علموا تأويل المتشابه، وكان نتيجة علمهم قولهم: " آمنا به ". إن الأمرين متساويان، سواء وقفت عند حد علم الله للتأويل أو لم تقف. فالمعنى ينتهي إلى شيء واحد. وحيثية الحكم الإيماني للراسخين في العلم هي قوله الحق على لسانهم: ﴿ آمنا به كل من عند ربنا ﴾ [آل عمران: 7] فالمحكم من عند ربنا، والمتشابه من عند ربنا، وله حكمة في ذلك لأنه ساعة أن يأمر الأعلى الأدنى بأمر ويبين له علته فيفهم الأدنى ويعمل، وبعد ذلك يلقى الأعلى أمرا آخر ولا يبين علته، فواحد ينفذ الأمر وإن لم يعرف العلة، وواحد آخر يقول: لا، عليك أن توضح لي العلة. فهل الذي آمن آمن بالأمر أم بالعلة؟ إن الحق يريد أن نؤمن به وهو الآمر، ولو أن كل شيء صار مفهوما لما صارت هناك قيمة للإيمان. إنما عظمة الإيمان في تنفيذ بعض الأحكام وحكمتها غائبة عنك لأنك إن قمت بكل شيء وأنت تفهم حكمته فأنت مؤمن بالحكمة، ولست مؤمنا بمن أصدر الأمر. وعندما نأتي إلى لحم الخنزير الذي حرمه الله من أربعة عشر قرنا، ويظهر في العصر الحديث أن في أكل لحم الخنزير مضار، ويمتنع الناس عن أكله لأن فيه مضار، فهل امتناع هؤلاء أمر يثابون عليه؟ طبعا لا، لكن الثواب يكون لمن امتنع عن أكل لحم الخنزير لأن الله قد حرمه ولأن الأمر قد صدر من الله، حتى دون أن يعرفنا الحكمة، إن المؤمن بالله يقول: إن الله قد خلقني ولا يمكن - وهو الخالق - أن يخدعني وأنا العبد الخاضع لمشيئته. إن العبد الممتنع عن أكل لحم الخنزير وشرب الخمر امتثالا لأمر الله، هو الذي ينال الثواب، أما الذي يمتنع خوفا من اهتراء الكبد أو الإصابة بالمرض فلا ثواب له.
وهناك فرق بين الذهاب إلى الحكم بالعلة. وبين الذهاب إلى الحكم بالطاعة للأمر بالحكم. إذن فالمتشابه من الآيات نزل للإيمان به، والراسخون في العلم يقابلهم من تلويهم الأهواء، والأهواء تلوي إلى مرادات النفس وإلى ابتغاءات غير الحق. وما دامت ابتغاءات غير الحق، فغير الحق هو الباطل، فكل واحد من أهل الباطل يحاول أن يأتي بشيء يتفق مع هواه. ولذلك جاء التشريع من الله ليعصم الناس من الأهواء لأن هوى إنسان ما قد يناقض هوى إنسان آخر، والباقون من الناس قد يكون لهم هوى يناقض بقية الأهواء. والحق سبحانه يقول: