تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير

[الأنعام: 103]. نرى أن ذلك كلام عام. وفي آية أخرى يقول سبحانه:

وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة

[القيامة: 22-23]. ويتكلم عن الكفار فيقول:

كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون

[المطففين: 15]. إذن فالعقل ينشغل بقوله: " لا تدركه الأبصار " ، وهذا يحدث في الدنيا، أما في الآخرة فسيكون الإنسان قد تم إعداده إعدادا آخر ليرى الله، نحن الآن في هذه الدنيا بالطريقة التي أعدنا بها الله لنحيا في هذا العالم لا نستطيع أن نرى الله، ومسألة إعداد شيء ليمارس مهمة ليس مؤهلا ولا مهيأ لها الآن، أمر موجود في دنيانا، فنحن نعرف أن إنسانا أعمى يتم إجراء جراحة له أو يتم صناعة نظارة طبية له فيرى. ومن لا يسمع أو ثقيل السمع نصنع له سماعة فيسمع بها. فإذا كان البشر قد استطاعوا أن يعدوا بمقدوراتهم في الكون المادي أشياء لتؤهلهم إلى استعادة حاسة ما، فما بالنا بالخالق الأكرم الإله المربي، ألا يستطيع أن يعيد خلقنا في الآخرة بطريقة تتيح لنا أن نرى ذاته ووجهه؟! إنه القادر على كل شيء. إذن فالأمر هنا متشابه، إن الله يدرك - بضم الياء وفتح الراء - أو لا يدرك، فما الذي تغير من الأحكام بالنسبة لك؟ لا شيء.

إذن فهذه الآيات المتشابهات لم تأت من أجل الأحكام، إنما هي قد جاءت من أجل الإيمان فقط، ولذلك فالرسول صلى الله عليه وسلم ينهي كل خلاف للعلماء حول هذه المسألة بقوله وهو الرسول الخاتم:

" إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا فما عرفتم منه فاعملوا به وما تشابه منه فآمنوا به ".

إن المتشابه من الآيات قد جاء للإيمان به، والمحكم من الآيات إنما جاء للعمل به، والمؤمن عليه دائما أن يرد المتشابه إلى المحكم. مثال ذلك عندما نسمع قول الله عز وجل:

إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما

[الفتح: 10]. إن الإنسان قد يتساءل: " هل لله يد "؟ على الإنسان أن يرد ذلك إلى نطاق

ليس كمثله شيء..

[الشورى: 11]. وعندما يسمع المؤمن قول الحق:

الرحمن على العرش استوى

[طه: 5]. فهل لله جسم يستقر به على عرش؟ هنا نقول: هذا هو المتشابه الذي يجب على المؤمن الإيمان به، ذلك أن وجودك أيها الإنسان ليس كوجود الله، ويدك ليست كيد الله وأن استواءك أيضا ليس كاستواء الله. وما دام وجوده سبحانه ليس كوجودك وحياته ليست كحياتك فلماذا تريد أن تكون يده كيدك؟ هو كما قال عن نفسه:

ليس كمثله شيء

[الشورى: 11]. ولماذا أدخلنا الله إلى تلك المجالات؟ لأن الله يريد أن يلفت خلقه إلى أشياء قد لا تستقيم في العقول فمن يتسع ظنه إلى أن يؤول ويردها إلى المحكم بأن الله ليس كمثله شيء. فله ذلك، ومن يتسع ظنه ويقول: أنا آمنت بأن لله يدا ولكن في إطار

ليس كمثله شيء

[الشورى: 11] فله ذلك أيضا وهذا أسلم. والحق يقول: ﴿ منه آيات محكمات هن أم الكتاب ﴾ [آل عمران: 7] ومعنى " أم " أي الأصل الذي يجب أن ينتهي إليه تأويل المتشابه إن أولت فيه، أو ترجعه إلى المحكم فتقول: إن لله يدا، ولكن ليست كأيدي البشر. إنما تدخل في نطاق:

ليس كمثله شيء..

[الشورى: 11]. ولماذا قال الحق: ﴿ هن أم الكتاب ﴾ [آل عمران: 7]؟ ولم يقل: هن أمهات الكتاب؟ لك أن تعرف أيها المؤمن أنه ليس كل واحدة منهن أما، ولكن مجموعها هو الأم، ولتوضيح ذلك فلنسمع قول الحق:

وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهمآ إلى ربوة ذات قرار ومعين

[المؤمنون: 50]. لم يقل الحق: إنهما آيتان لأن عيسى عليه السلام لم يوجد كآية إلا بميلاده من أمه دون أب أي بضميمة أمه، وأم عيسى لم تكن آية إلا بميلاد عيسى أي بضميمة عيسى. إذن فهما معا يكونان الآية، وكذلك ﴿ هن أم الكتاب وأخر متشابهات ﴾ [آل عمران: 7] فالمقصود بها ليس كل محكم أما للكتاب، إنما المحكمات كلها هي الأم، والأصل الذي يرد إليه المؤمن أي متشابه.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٢٥