تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد يكون الأمر ثقيلا على النفس في ملكاتها، مثل الهم جاثم على الصدر وثقيل عليه، وهو أقسى أنواع الثقل، ولذلك فالشاعر القديم يقول:

ليس بحمل ما أطاق الظهر

ما الحمل إلا ما وعاه الصدر

إذن هناك ثلاثة أثقال: ثقل مادي، وثقل فكري، وثقل نفسي. و ﴿ ثقلت في السماوات ﴾ ، ونحن نعلم أن السماوات فيها الملائكة. ونعلم أن الملائكة أيضا لا تعرف ميعاد الساعة، ولا يحاول معرفتها إلا الإنسان بشهوة الفكر، أما الملائكة فهي ليست مكلفة لأنها لا اختيار لها، وبعضها يخدم البشر، وهم الملائكة الذين سجدوا لآدم وهم الموكلون بمصالحه، وبحياته، وقد رضخوا لأمر الحق بأن هناك سيدا جديدا للكون. فكونوا جميعا مسخرين في خدمته، وهم الملائكة الحفظة الكرام الكاتبون، ولهم إلف بالخلق، إلف كاره للعاصي، وإلف محب للطائع. ومن يسير على منهج الله من البشر يفرحون به. وإن وقع من الطائع زلة يأسون له ويتمنون ألا تقع منه زلة أخرى. ومن يسير ضد منهج الله يغضبون منه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول فيما يرويه عنه أبو هريرة رضي الله عنه:

" ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا "

ونعلم أن المنفق سيأخذ ثواب إنفاقه، أما الممسك فإن تلف ماله وصبر عليه فهو أيضا ينال ثوابا عليه. وهكذا تدعو لنا الملائكة. و " ثقلت " هنا تعني أن ميعاد الساعة لا يعرفه إلا ربنا، فلا يعرف ذلك الميعاد من هم في السماوات وكذلك من هم في الأرض، وكل من على الأرض خائف مما سوف يحدث لحظة قيام الساعة، وخصوصا أن المصطفى صلى الله عليه وسلم، يعطي لها صورة توضح قوله الحق: ﴿ لا تأتيكم إلا بغتة ﴾ [الأعراف: 187]. ويخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بالحالة التي تأتي عليها فيقول:

" إن الساعة تهيج بالناس والرجل يصلح حوضه والرجل يسقي ماشيته والرجل يقيم سلعته في السوق والرجل يخفض ميزانه ويرفعه "

ومثل هذه التوقعات تخيف. وقوله الحق: ﴿ ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة ﴾. أي أن الواقع في هذا اليوم يكون فوق احتمال البشر وهو يأتي بغتة، أي يجيء من غير استعداد نفسي لاستقباله. ويتابع سبحانه: ﴿ يسألونك كأنك حفي عنها ﴾ [الأعراف: 187]. وحفي من الحفاوة، والحفي هو الملح في طلب الأشياء، مثل التلميذ الذي يتوقف عند درس لا يفهمه، فيسأل هذا، وذاك إلى أن يجد إجابة. والحفي بالسؤال عن أمر يحاول أن يصل إليه، والحفي أيضا عالم بما يسأل عنه، وسبب العلم أنه ألح في السؤال عليها. والأمور التي يعالجها الإنسان إما أن يعالجها وهو مستقر في مكانه كالأمور الفكرية أو العضلية الموقوته بمكان، وقد يكون أمرا بعيدا عن مكانه ويريد أن يعالجه، فيقطع المسافة إلى المكان الثاني لتحقيق هذه المهمة، إنما يمشي ويسعى على رجليه، و " يدوب " النعل الذي يضعه في قدميه من المشي فيقال عنه إنه " حافي " ، ولذلك يقال: حفي فلان إلى أن وصل للشيء الفلاني، أي سار مرات كثيرة وقطع عدة مسافات، مزقت نعله حتى جعلته يمشي حافيا.

وهنا يقول الحق على ألسنة القوم: ﴿ كأنك حفي عنها ﴾ [الأعراف: 187] أي أنك معنى بها، ودائب السؤال عنها، وعارف لها. وتأتي الإجابة من الحق: ﴿ قل إنما علمها عند الله ﴾ [الأعراف: 187]. وفي ذات الآية سبق أن قال: ﴿ علمها عند ربي ﴾ [الأعراف: 187]. والربوبية متعلقها الخلق، والرعاية بالقيومية لمصالح البشر، والألوهية متعلقها العبادة وتطبيق المنهج، وجاء الحق في هذه الآية، مرة بالربوبية، ومرة بالألوهية. والأولى هي علة الثانية، فأنت أخذت الله معبودا، وأطعته لأنه خلقك ووضع لك المنهج، ولا يدخر وسعا بربوبيته أن يقدم للعبد الصالح كل شيء ويمنحه البركة، وكذلك يعطي الكافر إن أخذ بالأسباب ولكن دون بركة وبغير ثواب في الدنيا أو الآخرة، لذلك هو الإله الحق الذي نتبع منهجه. ﴿ قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ [الأعراف: 187]. وأكثر الناس الذين يسألون عن موعد الساعة لا يعلمون أن ربنا قد أخفاها، وسبحانه هو القائل:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٩٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٩٦١