تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي

[الإسراء: 85]. ويقول المولى سبحانه:

ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا

[الكهف: 83]. ويقول الحق:

ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا

[طه: 105]. ويختم هذه الأسئلة بقوله:

يسألونك عن الساعة أيان مرساها * فيم أنت من ذكراها

[النازعات: 42-43]. تلك هي خمس عشرة آية جاء فيها الحق بقوله ﴿ يسألونك ﴾ ، وآية واحدة يقول فيها الحق تبارك وتعالى:

وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان

[البقرة: 186]. والآيات الخمس عشرة التي جاء فيها الحق بصيغة المضارع ﴿ يسألونك ﴾ نجد كل جواب فيها مصدرا ب " قل " وهو أمر للرسول: قل كذا، قل كذا، ولكن في الآية الواحدة التي جاء فيها الفعل الماضي ﴿ وإذا سألك ﴾ ، لم يقل: فقل إني قريب، بل قال: " فإني قريب أجيب دعوة الداع " ، لأن الله يعلم حب محمد لأمته، وحرصه عليهم ولذلك يقول:

لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين

[الشعراء: 3]. ويقول سبحانه:

فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا

[الكهف: 6]. ولذلك حين علم الحق علم وقوع: أن رسول الله مهتم بأمر أمته ومشغول بها وحريص على أن يشملها الله بمغفرته ورحمته وألا يسؤوه فيها، أخبره المولى عز وجل بأنه سوف يرضيه في أمته. وقد ورد في الحديث ما يؤيد ذلك، فقد روى عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما

" أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم صلى الله عليه وسلم ﴿ رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ﴾. وقول عيسى صلى الله عليه وسلم: ﴿ إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ﴾ فرفع يديه فقال: أمتي أمتي وبكى فقال الله عز وجل: يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم فسله ما يبكيه؟ فأتاه جبريل فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم، فقال الله تعالى: يا جبريل اذهب إلى محمد إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك "

وتأكيدا لعلم الحق تبارك وتعالى من حرص رسوله على أمته، أراد أن يكرم هذه الأمة من نوع ما كرم به الرسول، فجاء الخطاب في آية الدعاء بدون " قل ".

وإذا سألك عبادي عني فإني قريب

[البقرة: 186]. وأراد الله أن يبين لمحمد ولأمته أن الله يعلم لا بما تسألونه فقط، بل يعلم ما سوف تسألونه عنه. لذلك نجد أربع عشرة آية تأتي فيها ﴿ يسألونك ﴾ وتكون الإجابة " قل " ، والآية الخامسة عشرة جاء فيها ﴿ يسألونك ﴾ وكانت الإجابة " فقل " لتدل على " الفاء " على أن السؤال لم يقع بعد، فكأن الفاء دلت على شرط مقدر هو: إن سألوك فقل ينسفها ربي نسفا، وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتهآ إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ [الأعراف: 187]. و " يجليها " أي يظهرها، وهناك ما يسمى " الجلوة " وما يسمى " الخلوة " ، و " الجلوة " أن يظهر الإنسان للناس، و " الخلوة " أن يختلي عن الناس، و " لا يجليها " أي لا يظهرها، و " لوقتها " ترى أنها مسبوقة باللام، ويسمونها في اللغة العربية " لام التوقيت " ، مثلما يقول الحق سبحانه:

أقم الصلاة لدلوك الشمس...

[الإسراء: 78]. وهي بمعنى " عند " ، ومعنى دلوك الشمس، أنها تتجاوز نصف السماء، وتميل إلى المغرب قليلا. وقوله: ﴿ لا يجليها لوقتهآ إلا هو ﴾ أي لا يبينها عند وقتها إلا هو سبحانه وتعالى. ﴿ هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة.. ﴾ [الأعراف: 187]. والثقل يعني أن تكون كتلة الشيء أكبر من الطاقة التي تحمله لأن الكتلة إن تساوت مع الطاقة فهي لا تثقل على الحمل. أو أن الطاقة التي تحمل لم تقدر على جاذبية الأرض فيكون الشيء ثقيلا، وقد يكون هذا الثقل أمرا ماديا، كما يحمل الإنسان - مثلا - على ظهره أردبا من القمح فيقدر على حمله، لكنه إن زاده إلى أردب ونصف، فالحمل يكون ثقيلا على ظهره لأن طاقته لا تتحمل مثل هذا الوزن " فينخ " به. ﴿ ثقلت في السماوات والأرض ﴾. والثقل لا يكون ماديا فقط، بل هو ثقل فكري وعقلي أيضا، مثال ذلك حين يقوم الطالب بحل تمرين هندسي أو تمرين في مادة الجبر، فالطالب يشعر أحيانا أن مثل هذا التمرين ثقيل على فكره، وصعب الحل في بعض الأحيان.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٩٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٩٦٠