تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يجبال أوبي معه..

[سبأ: 10]. كيف إذن لا يتسع أفق الإنسان لأن يدرك أن الله قادر على أن يخاطب أيا من مخلوقاته؟. إنه قادر على أن يخاطب كل مخلوق له بلغة لا يفهمها الآخر. وهو القائل سبحانه:

وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن

[الأنبياء: 79]. ونعلم أن القرآن الكريم كذلك أن الجبال تسبح أيضا من غير داود، شأنها شأن المخلوقات جميعها مصداقا لقول الحق تبارك وتعالى:

وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم

[الإسراء: 44]. وحتى ذرات يد الكافر تسبح، وإن كان تسبيحها لا يوافق إرادته. وقول الحق سبحانه:

وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن

[الأنبياء: 79]. يبين لنا أن الجبال كانت تردد تسبيح داوود وتلاوته للزبور، ولا يقتصر أمر الحق إلى الجبال بل إلى كل مخلوق، فنحن - على سبيل المثال - نقرأ في القرآن الكريم أن ربنا أوحى إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون. إذن فلله مع خلقه أدوات خطاب لأنه هو الذي خلق الكون والمخلوقات، وله سبحانه خطاب بألفاظ، وخطاب إشارات، وخطاب بإلهام، وخطاب بوحي، فإذا قرأنا أن الحق تبارك وتعالى قال لذرية آدم: ألست بربكم؟ فهذا يعني أنه قالها لهم باللغة التي يفهمونها، لأنه هو سبحانه الذي قال للسماء والأرض:

ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا طآئعين

[فصلت: 11]. ولقد تكلمت النملة وفهم سليمان كلامها، ولو لم يعلم الله سليمان كيف يفهم كلامها لما عرفنا أنها تكلمت:

قالت نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده

[النمل: 18]. إنها تفهم ما يفعله البشر حين يدوسون على كائنات صغيرة دون أن يروها، ولكن سليمان نبي من أنبياء الله، ولن يعتدي على خلق الله، والنملة التي تكلمت كانت تحرس بقية النمل. وكذلك تكلم الهدهد ليخبر سيدنا سليمان عن مملكة سبأ وحالة بلقيس وقومها. إذن فالله عز وجل يخاطب جميع خلقه، ويجيبه جميع خلقه، فلا تقل: كيف خاطب المولى سبحانه الذر، والذر لم يكن مكلفا بعد؟ ولم يحاول العلماء أن يدخلوا في هذه المسألة لأنها في ظاهرها بعيدة عن العقل، ويكفي أن ربنا الخالق القادر قد أبلغنا أنه قد خاطب الذرات قائلا: ألست بربكم؟. قالوا: بلى. ويبدو من هذا القول أن المسألة تمثيل للفطرة المودعة في النفس البشرية. وكأنه سبحانه قد أودع في النفس البشرية والذات الإنسانية فطرة تؤكد له أن وراء هذا الكون إلها خالقا قادرا مدبرا. وقديما قلنا: هب أن طائرة وقعت بك في صحراء، وحين أفقت من إغماءة الخوف فكرت في حالك وكيف أنك لا تجد طعاما أو شرابا أو أنيسا، وأصابك غم من هذه الحالة فنمت، ثم استيقظت فوجدت مائدة عليها أطايب الطعام والشراب، ألا تتلفت لتسأل من الذي أقام لك هذه المأدبة قبل أن تمد يدك إلى أطايب الطعام؟. كذلك الإنسان الذي طرأ على هذا الكون الحكيم الصنع البديع التكوين ألا يجدر به أن يسأل نفسه من خلق هذا الكون؟. إننا نعلم أن المصباح الكهربائي احتاج لصناعته إلى علماء وصناع مهرة كثيرين وإلى إمكانات لا حصر لها لينير هذا المصباح حجرة محددة، وحين نرى الشمس تنير الكون كله، ولا يصيبها كلل أو تعب ولا تحتاج منا إلى صيانة، ألا نسأل من صنعها؟ وخصوصا أن أحدا لم يدع أنه قد صنعها، وقد أبلغنا المولى سبحانه وتعالى بأنه هو الذي خلق الأرض وخلق الشمس وخلق القمر، فإما أن يكون هذا الكلام صحيحا فنعبده، وإما لا يكون الكلام صحيحا فنبحث عمن صنع وخلق الكون لنعبده. وبما أن أحدا لم يدع لنفسه صناعة هذه الكائنات، فهي تسلم لصاحبها وأنه لا إله إلا الله. إذن فالفطرة تهدينا أن وراء هذا الكون العظيم قدرة تناسب هذه العظمة قدرة تناسب الدقة هذه الدقة التي أخذنا منها موازين لوقتنا فقد أخذنا من الأفلاك مقياسا للزمن ولولا حركة الأفلاك التي تنظم الليل والنهار لما قسمنا اليوم إلى ساعات، ولولا أن حركة الأفلاك مصنوعة بدقة متناهية لما استطعنا أن نعدها مقياسا للزمن.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٩٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٩٣٦