نحن أبناء الله وأحباؤه..
[المائدة: 18]. ويأتي الرد:
قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق..
[المائدة: 18]. إذن هم يأخذون عرض هذا الأدنى، ويحكمون في أخذهم بهذا العرض أنه سبحانه سوف يغفر لهم. وبذلك استحلوا الحرام وانتقلوا من منطقة المعصية إلى منطقة الكفر لأن هناك فرقا بين أن تفعل الشيء وتقول هو معصية. لكن أن يرتكب الإنسان المعصية ويقول: ليست بمعصية، فهذا انتقال من العصيان إلى الكفر، ومثال ذلك الربا حين نجد من يحلله، نقول له: اقبل أن تكون عاصيا ولا تدخل نفسك في الكفر لأنك إن حللت ما حرم الله يقع عليك الكفر وتوصف به والعياذ بالله، أما إن قلت: هو حرام ولكن ظروفي صعبة ولا أقدر على نفسي فقد يغفر الله لك. لكن قوم موسى كانوا يصرون على المعصية ويقولون: سيغفر الله لنا: ﴿ وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ﴾. وهم بعد ذلك تركوا الأعلى وأخذوا عرض الحياة الأدنى ويتمادون في غيهم ويرتكبون المعاصي تلو المعاصي دون أن يدقوا باب التوبة. لذلك ينبههم الحق سبحانه: ﴿ ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق... ﴾ [الأعراف: 169]. لقد ورثوا الكتاب، وفي الكتاب قد أخذ عليهم عهد موثق ألا يقولوا على الله إلا الحق، لكن هل يعدل الفاسق عن الباطل ويعود إلى الحق؟. طبعا لا، هم إذن تجاهلوا ما في هذا الكتاب، رغم أنهم قد درسوا ما فيه مصداقا لقوله الحق: ﴿ ودرسوا ما فيه ﴾.
وكلمة " درس " تدل على تكرر العمل، فيقال: " فلان درس الفقه " أي تعلمه تعلما متواصلا ليصير الفقه عنده ملكة. وهو مختلف عمن قرأ الكتاب مرة واحدة، هنا لا يصبح الفقه عنده ملكة. وحتى نفهم الفرق بين " العلم " و " الملكة " ، نقول: إن العلم هو تلقي المعلومات، أما من درس المعلومات وطبقها وصارت عنده المسألة آلية، فهذا هو من امتلك ناصية العلم حتى صار العلم عنده ملكة. إذا التقى صائم - مثلا - بفقيه وسأله عن فتوى في أمر الصيام يجيبه فورا لأنه علم كل صغيرة وكبيرة في الفقه. لكن إن تسأل تلميذا مبتدئا في الأزهر فقد يرتبك وقد يطلب أن يرجع إلى كتبه ليعثر على الإجابة لأن الفقه لم يصبح لديه ملكه. والملكة في المعنويات هي مقابل الآلية في المادية التي تحتاج إلى دربة، فمن يمسك النول لينسج النسيج ويتقن تمرير المكوك بين الفتلتين لا يفعل ذلك إلا عن دربة. إنه قد تعلم ذلك بصعوبة وتكرار تدريب. إذن فقوله: ﴿ ودرسوا ما فيه ﴾ أي تكررت دراسة الكتاب حتى عرفوا ما فيه من علم. ونحن أخذنا " درس العلم " من مسألة حسية هي " درس القمح " ، ويعلم من تربى في الريف كيف ندرس القمح، حين يدور النورج على سنابل القمح فيخرج لنا الحب من أكمامه، ويقطع لنا العيدان، وهذه العملية تسمى " درس القمح ". إن ما فعلوه من عصيان ليس عن غفلة عن هذا الميثاق في ألا يقولوا على الله إلا الحق، لأنهم درسوا ما في الكتاب المنزل عليهم وهو التوراة دراسة مستوعبة، لكنهم أخذوا العرض الأدنى. وكان لا بد أن يأتي لنا بمقابل العرض الأدنى فيوضح لنا أن مصير من يريد الدار الآخرة هو الثواب الدائم ولذلك يقول الحق: ﴿ والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ﴾ [الأعراف: 169]. وهذا يعني التنبيه بأنه من الواجب قبل أن تفعلوا الفعل أن تنظروا ما يعطيه من خير، وأن تتركوه إن كان يعطي الكثير من الشر، وزنوا المسألة بعقولكم، وساعة أن تزنوا المسألة بعقولكم ستعرفون أن عمل الخير راجح. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ والذين يمسكون بالكتاب... ﴾.