إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا
[الإسراء: 36]. قال الحق ذلك لأن المسئولية هنا هي الفردية الذاتية، وكل واحد مسئول عن سمعه وبصره وفؤاده، وليس مسئولا عن أسماع وأبصار وأفئدة الناس. ونرى مادة السمع قد تقدمت، وبعدها جاءت مادة البصر إلا في آية واحدة أيضا، تتحدث عن يوم القيامة:
ربنآ أبصرنا وسمعنا..
[السجدة: 12]. هنا قدم الحق مادة الإبصار على مادة السمع لأن هول القيامة ساعة يأتي سنرى تغيرا في الكون قبل أن نسمع شيئا. ﴿ وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم ﴾ [الأعراف: 167]. وتأذن أي أعلم الله إعلاما مؤكدا بأنكم يا بني إسرائيل ستظلون على انحراف دائم، ولذلك سيسلط الله عليكم من يسومكم سوء العذاب، إما من جهة إيمانية، مثلما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني النضير وبني قريظة وبني قينقاع وخيبر، وإما أن يسلط عليهم حاكما ظالما غير متدين، مصداقا لقوله الحق:
وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا..
[الأنعام: 129]. وكذلك مثلما حدث من بختنصر، وهتلر. إذن ﴿ وإذ تأذن ربك ﴾ أي أعلم ربك إعلاما مؤكدا لأن البشر قد يعلمون بشيء، ولكن قدرتهم ليست مضمونة لكي يعلموا ما أعلموا به، فإذا أعلمت أنت بشيء فأنت قد لا تملك أدوات التنفيذ، أما الله - سبحانه - فهو المالك لأدوات التنفيذ، والإعلام منه مؤكد، ولذلك يعلم بالشيء، أما غيره فالظروف المحيطة به قد لا تساعده على أن ينفذ.
مثال ذلك: صحابة رسول الله الأول وهم مستضعفون ولم يستطيعوا أن يحموا أنفسهم من اضطهاد المشركين والكافرين، وصار كل واحد يبحث لنفسه عن مكان يأمن فيه منهم من يذهب إلى الحبشة أو يذهب إلى قوي يحتمي به، فينزل الله في هذه الظروف العصيبة آية قرآنية لرسول الله يقول فيها:
سيهزم الجمع ويولون الدبر
[القمر: 45]. وتساءل البعض كيف يهزمون ونحن غير قادرين على حماية أنفسنا. فعندما نزلت هذه الآية قال سيدنا عمر: أي جمع يهزم، قال عمر: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يثب في الدروع وهو يقول: ﴿ سيهزم الجمع ويولون الدبر ﴾ ، فعرفت تأويلها يومئذ. إن الله سبحانه وتعالى أعلم بالنصر. وهو قادر على إنفاذ ما أعلم به على وفق ما أعلم لأنه لا يوجد إله آخر يصادمه. إذن ﴿ وإذ تأذن ربك ﴾ يعني أعلم إعلاما مؤكدا، وحيثية الإعلام المؤكد أنه لا توجد قوة أخرى تمنع قدرته ولا تنقض حكمه. ﴿ وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة.. ﴾ بالأعراف: 167]. أي يبعث الله عليهم من يسومهم سوء العذاب. وهناك بنص القرآن مبعوث، والله يخلي بينه وبينهم، فلا يمنعهم الله منه، إنما يسلط الله عليهم العذاب باختيار الظالم. مثلما قال الحق:
ألم تر أنآ أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا
[مريم: 83]. أي أنه - سبحانه - أرسلهم لهذه المهمة وخلى بينهم وبين الذين يستمعون إليهم: ﴿ وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة ﴾. وكلمة ﴿ إلى يوم القيامة ﴾ تفيد أن هذا العنصر، المشاكس من اليهود سيبقى في الكون كخميرة عكننة إلى أن تقوم الساعة، لماذا؟! هم يقومون بمهمة الشر في الوجود، ولولا أن هذا الشر موجود في الوجود، ويعض الناس بمساوئه وإفساداته، لم يكن من الناس من يتهافت على الحق وعلى الخير. فالشر - إذن - جاء ليعض الناس بآلامه وإفساده ليتجه الناس إلى الخير، ولذلك تجد أقوى انفعالات تعتمل في صدور المسلمين وأقوى نزوع حركي إلى الإسلام حين يجدون من يضطهد قضية الإسلام. إن مهمة الشر في الوجود أنه يجمع عناصر الخير في الوجود ومهمة الباطل في الوجود أنه يحفز عناصر الحق ويحضهم على محاربة الشر ومناهضته لأن الباطل حين يعم، ويتضايق منه الناس، ترفع يدها وتقول: يا ناس افعلوا الخير. ولو لم يحدث ذلك فلن تجد من يقبل على الخير بحمية وحرارة. { وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب.