تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فليس كل وحي لموسى جاء بكلام مباشر من الله، بل سبحانه كلمه مرة واحدة كتشريف له، ثم أوحي له من بعد ذلك كغيره من الرسل. وقوله الحق: ﴿ أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا.. ﴾ [الأعراف: 160]. هذا القول يدلنا على الإعجاز المطلق، فمرة أمر الحق موسى أن يضرب الماء بالعصا ﴿ فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ﴾ ، ومرة يأمره هنا أن يضرب الحجر فينبجس منه الماء، وهكذا نرى طلاقة قدرة الله في أن يعطي ويمنع بالشيء الواحد، ولم يكن ذلك إلا بالأسباب التي في يد الله يحركها كيف يشاء. ولذلك رأينا أمر الله حين ضرب موسى البحر بعصاه، فصار كل فرق كالطود، أي كالجبل، وامتنعت السيولة، ولما خرج موسى وقومه إلى البر بعد أن عبر البحر أراد أن يضرب البحر ليعود ثانية إلى سيرته الأولى من السيولة، فأوحى له الله: ﴿ واترك البحر رهوا ﴾. أي اتركه كما هو عليه لأن الله يريد أن يغتر فرعون وقومه بأن يروا اليابس طريقا موجودا بين الماء، فيحاولوا النفاذ منه وراء موسى وقومه، وما أن دخل فرعون وقومه خلف موسى حتى عاد الماء إلى سيولته فغرق فرعون وقومه. وهكذا أنجى الله وأغرق بالشيء الواحد، وكذلك في أمر العصا إنها حين ضربت الماء فلقته فصار كل فرق كالطود والجبل الشامخ، ثم ضرب موسى بها الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا من الماء، وهكذا نرى قدرة من بيده القدرة والأسباب. ﴿ اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا.. ﴾ [الأعراف: 160]. وهنا تعبير " انبجست " ، وهناك تعبير " انفجرت " ، ونعلم أن الانبجاس يحدث أولا ثم يتبعه الانفجار ثانيا، فالانبجاس أن يأتي الماء قطرة قطرة، ثم يأتي الانفجار وتتدفق المياه الكثيرة، فكان موسى عليه السلام أول ما يضرب الضربة تأتي وتجيء المياه قليلة ثم تنفجر بعد ذلك. إذن فقد تكلم الحق عن المراحل التي أعقبت الضربة في لقطات متعددة لمظهر واحد له أولية وله آخرية. وحين تكلم أمير الشعراء عن عطاء الله وقدرته قال:

سبحانك اللهم خير معلم

علمت بالقلم القرون الأولى

أرسلت بالتوراة موسى مرشدا

وابن البتول فعلم الإنجيلا

ثم جاء لسيدنا محمد وقال:

وفجرت ينبوع البيان محمدا

فسقى وناول التنزيلا

وهنا توفيق رائع في العبارة حين قال: " فسقى الحديث " ، فالحديث سقيا أما القرآن فمناولة من الله لخلقه. والحق يقول: ﴿ فانبجست منه اثنتا عشرة عينا ﴾. إن الضربة واحدة من عصا واحدة، وكان المفترض أن تحدث هذه الضربة عينا واحدة تنبع منها المياه، لكن الحق أرادها اثنتي عشرة عينا وعلم كل أناس مشربهم لذلك كان لا بد أن يكون المكان متسعا.

وأن هذه الضربة كانت إيذانا بالانفعال من الأرض. ﴿ فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم.. ﴾ [الأعراف: 160]. ومن أين عرف كل قسم منهم الماء الذي يخصه؟ إنها قسمة الله وصارت كل عين تجذب أصحابها، فلم يتزاحموا، وهذا يدل أيضا على التساوي، فلم تتفجر عين بماء أكثر من الأخرى فتثير الطمع، لا، بل انتظم الجميع فيما أراده الحق: ﴿ قد علم كل أناس مشربهم ﴾. والحق هنا يتكلم عن رحلة بني إسرائيل في التيه، وفي الصحراء والشمس محرقة، ولا ماء، فاستسقوا موسى، فطلب لهم السقيا من الله، وجاءت لهم اثنتا عشرة عينا حتى لا يتزاحموا، وعرف كل منهم مشربه. ويضيف الحق: ﴿ وظللنا عليهم الغمام ﴾. ولأن الشمس محرقة يرحمهم الله بمسيرة من الغمامات تظللهم، ولكل سبط غمامة على قدره، فإذا كان الواحد من البشر حين يوزع جماعة من كتل صغيرة، لا يعجز أن يضعهم في عشرين خيمة مثلا، فهل يعجز ربنا عن ذلك؟ طبعا لا. وإذا كان الحق قد ضمن لنا في الأرض الرزق حتى لا نجوع، ولا نعرى، ولا تحرقنا الشمس، ونجد ماء. إذن لقد بقي أمر الطعام لهؤلاء. فقال: ﴿ وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم.. ﴾ [الأعراف: 160]. ساعة تأتي كلمة " أنزلنا " نعرف أنها مسألة جاءت من علو، ولا يفترض أن يكون مكانها عاليا، لكن هي مسألة جاءت من أعلى من قدرتك، أي من فوق أسبابك إنها بقدرة الأعلى. و " المن " مادة بيضاء اللون حلوة الطعم مثل قطرات الزئبق. يجدونه على الشجر. ولا يزال هذا الشجر موجودا إلى الآن في العراق، يهزونه صباحا فيتساقط ما على الورق من قطرات متجمدة لونها أبيض، فيأخذونه على ملاءة بيضاء واسمه عندهم المن - أيضا - وهو في طعم القشدة وليونتها، وحلاوة العسل. و " السلوى " هو طير من رتبة الدجاجيات يستوطن أوروبا وحوض البحر المتوسط واحدته " سلواة " وهو " السماني " ويسميه أهل السواحل " السمان " وهو يأتي مهاجرا ولم يربه أحد، وفي هذا إنزال من الله لأنه رزق من فوق قدرة العباد وأسبابهم. ﴿ وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم.. ﴾ [الأعراف: 160]. وهناك مصانع تصنع المن في أشكال مختلفة وأنواع من الحلوى جميلة، ومن زار العراق ذاقه أو أحضره لأهله. والسلوى - كما قلنا - هو طائر " السمان " الموجود في بيئة أخرى يغريه ربنا بالطقس الدافئ فيأتي إلينا لنأخذه، وهذه الطيور جاءت طالبة استمرار الحياة، ويبعثها ربنا لتصير لنا طعاما ليدلل على أنه حين يريد أن يأتي لهم برزق غيبي يمدهم ويمنحهم المن والسلوى كما أخرج من الحجر الماء، وكما ظللهم بالغمام، وبذلك صارت حاجاتهم قدرية ليس لهم فيها أسباب وجاءت لهم بالهناء.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٩١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٩١٤