يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار
[إبراهيم: 48]. إذن فزمن الآخرة وإعادة الخلق فيها سيكون أمرا آخر، يكفي أن أهل الجنة سيأكلون ولن تكون لهم فضلات، إنه خلق جديد. إن مجيء " لن " في قوله الحق: ﴿ لن تراني ﴾ تأبيدها إضافي، أي بالنسبة للدنيا، وفيها تعليل لعدم قدرة موسى على الرؤية، وأضاف سبحانه: ﴿ ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا.. ﴾ [الأعراف: 143]. وسبحانه هنا يعلل لموسى بعملية واقعية فأوضح: لن تراني ولكن حتى أطمئنك أنك مخلوق بصورة لا تمكنك من رؤيتي انظر إلى الجبل، والجبل مفروض فيه الصلابة، والقوة، والثبات، والتماسك فإن استقر مكانه، يمكنك أن تراني. إن الجبل بحكم الواقع، وبحكم العقل، وبحكم المنطق أقوى من الإنسان، وأصلب منه وأشد، ولما تجلى ربه للجبل اندك. والدك هو الضغط على شيء من أعلى ليسوى بشيء أسفل منه. والحق هو القائل:
كلا إذا دكت الأرض دكا دكا
[الفجر: 21]. وهنا في موقف موسى وحواره مع الله يتأكد لنا أن الله تجلى على خلق من خلقه، ولكن أيقدر المتجلى عليه على هذا التجلي أم لا يقدر؟. إن أقدره الله فهو يقدر، أما إن لم يقدره الله فلن يقدر. والجبل هو الأصلب، فلما تجلى له ربه اندك، إذن فمن الممكن أن يتجلى الله على بعض خلقه، ولكن المهم أيقوى المستقبل للتجلي أو لا يقوى؟ ولم تقو طبيعة موسى على التجلي لله بدليل أن الأقوى منه لم يقو. وبعد ذلك أراد الله أن يلفتنا لفتة تصاعدية. ويبين لنا أن موسى قد صعق لرؤية المتجلى عليه فكيف لو رأى المتجلي؟!! ﴿ فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا ﴾. ويقال: خر الشيء إذا سقط من أعلى إلى أسفل، ويقول الحق في آية قرآنية:
وظن داوود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا
[ص: 24]. والحق يخبرنا هنا: ﴿ وخر موسى صعقا ﴾ ، وصعقه تطلق ويراد بها الوفاة، ولكن هنا صعقة أخرى تعبر عن الإغماءة الطويلة. وصعقة الوفاة يقول فيها الحق سبحانه:
فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شآء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون
[الزمر: 68]. إذن النفخة الأولى لصعق وموت الجميع، ثم تأتي النفخة الثانية للبعث.
وهنا يقول الحق: ﴿ فلمآ أفاق قال سبحانك تبت إليك ﴾. وهذا يدل على أن الصعقة ليست هي الصعقة المميتة، وأفاق سيدنا موسى من الصعقة، وانتبه إلى أنه لم يكن من اللائق أن يطلب الرؤية المباشرة لله. وكما نقول: " فلان فاق لنفسه " وهنا " أفاق " موسى على حاجتبن اثنتين، أفاق من الغشية التي حصلت له من الصعقة، وكأنه تساءل: لماذا انصعقت؟ لقد انصعق لأنه سأل ربنا ما ليس له به علم: ﴿ فلمآ أفاق قال سبحانك ﴾ ، وساعة تسمع كلمة " سبحانك " اعرف أنه يراد بها التنزيه لله من الحدث الذي نحن بصدده وهو رؤيته - تعالى - أي تنزيها لك يا رب أن يراك مخلوقك لأن الرؤية قدرة بصر على مرئي، ومعنى: " رأيت الشيء " أي أن عين البشر قد قدرت على الشيء، ولو أننا نحن المخلوقين رأينا الله بقانون الضوء، فهذا يعني أن أبصارنا تقدر على ربنا وهذا لا يمكن أبدا لأن المقدور لا ينقلب قادرا، والقادر لا ينقلب مقدورا. ﴿ فلمآ أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ﴾ [الأعراف: 143]. وتوبة موسى هنا من أنه سأل الله ما ليس له به علم، ولأنه لم يقف عند التجليات المخالفة لنواميس الكون، وأن ربنا قد أعطاه بدون أن يسأل، لقد كلمه الله، فلماذا يصعد المسألة ويطلب الرؤية؟ ولماذا لم يترك الأمور للفيوضات التي يعطيها الله له ويتنعم بفيض جود لا ببذل مجهود؟. ويقرر موسى ويقول: ﴿ وأنا أول المؤمنين ﴾ ، أي بأن ذاتك - سبحانك - لا يقدر مخلوق أن يراها ويدركها. لقد شعر موسى ببعض من انكسار الخاطر لأنه طمح إلى ما يفوق استطاعته وقال: ﴿ سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ﴾ وكأنه قد فهم ما أوضحه الحق له: لا تلتفت إلى ما منعتك، ولكن انظر إلى ما أعطيتك: ﴿ قال يموسى إني... ﴾.