إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي..
[الأعراف: 144]. ويجب أن نأخذ كل وصف يوجد في البشر، ويوجد مثله. في وصف الله مثل " استوى " ، و " جلس " و " وجه " ، و " يد " نأخذ كل ذلك في إطار " ليس كمثله شيء ". ﴿ ولما جآء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك.. ﴾ [الأعراف: 143]. وحينما خص الله موسى بميزة أن تكلم إليه، حصل من موسى استشراق اصطفائي، وكأنه قال لنفسه: ما دام قد كلمني فقد أقدر أن أراه لأن استطابة الأنس تمد للنفس سبل الأمل في الامتداد في الأشياء مثلما قال موسى من قبل ردا على سؤال الله:
وما تلك بيمينك يموسى
[طه: 17]. كان الجواب يكفي أن يقول: " عصا " لكنه قال:
قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي..
[طه: 18]. قال ذلك على الرغم من أن الحق لم يسأله: ماذا تفعل بها؟ وأراد بالكلام أن يطيل الأنس بربه، وكأنه عرف أنه من غير اللائق أن يكون الجواب مجرد كلمة ردا على سؤال. ولله المثل الأعلى - نجد الإنسان منا حين يرى طفلا صغيرا فهو يداعبه ويطيل الكلام معه إيناسا له. وحين وجد موسى أن الله يكلمه استشرفت نفسه أن يراه: ﴿ ولما جآء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك ﴾. لم يقل موسى: أرني ذاتك. بل قال: ﴿ أرني أنظر إليك ﴾ كأنه يعلم أنه بطبيعة تكوينه يعرف أنه لا يمكن أن يرى الله، لكن إن أراه الله، فهذا أمر بمشيئة الحق. وقدم موسى الطلب معلقا بمشيئة الله وإرادته لأنه يعلم أنه غير معد لاستقبال رؤية الله لأن تكوينه لا يقوى على ذلك، وحتى في الوحي والكلام لم يكلم ربنا الناس مباشرة، بل لا بد أن يصطفى من الملائكة رسلا، ثم تكون مرحلة ثانية أن يصطفى من البشر رسلا، ويبلغ الرسل الناس كلام الله لأن الصفات الكمالية العليا الخالقة لا يمكن أن يستوعبها المخلوق. ضربنا المثل من قبل - ولله المثل الأعلى - بصناعات البشر، وأن الإنسان حين ينام ليلا، قد يستيقظ لأي شيء، فإذا كانت الدنيا ظلاما قد يحطم الأشياء التي هي أقل منه أو تحطمه الأشياء التي هي أكثر صلابه منه وإن اصطدم بشيء صغير فقد يكسره، وإن اصطدم بدولاب أو حائط فقد ينكسر الإنسان. ولذلك ترك الإنسان في البيت شيئا من النور الضئيل ليستفيد من سكون الليل وظلمته، فيضع ما نسميه " الوناسة " قوة شمعتين أو خمس شمعات، ولا يقدر أن يركبها على قوة التيار الموجود في المنزل لأنها تفسد فورا، لذلك يأتي لها بمحول يأخذ من القوي ويعطي الضعيف. إذن إذا كانت صناعة البشر نجد فيها الضعيف الذي لا يأخذ من القوي إلا بواسطة، فمن باب أولى أنه لا يمكن أن يتلقى خلق الله عن الله إلا بواسطة. وكانت الواسطة من البشر اصطفاء ومن الملائكة اصطفاء، فليس كل ذلك صالحا لهذه المسألة، فمصطفى من الملائكة يعطي مصطفى من البشر. وبعد ذلك يعطي المصطفى من البشر للبشر. كذلك الرؤية وسيظهر ذلك لنا حينما يعطي الله الدليل على أنه خلقكم لا على هيئة أن تروه الآن، ولكن حين تبرزون في الآخرة وتعدون إعدادا آخر، فمن الممكن أن تنالوا شرف رؤيته:
وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة
[القيامة: 22-23]. ولا يستوي الناس في ذلك لأن المؤمن هو من ينال شرف النظر إلى الله، أما الكافر فهو محجوب عن رؤية الحق. يقول تعالى في شأن الكفار:
كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون
[المطففين: 15] فلا يستوي المؤمن والكافر في هذه الحالة، فما دام الكافر محجوبا فالمؤمن غير محجوب ويرى ربه.
وقال موسى: ﴿ رب أرني أنظر إليك ﴾. قال الحق: ﴿ قال لن تراني ﴾. وفي اللغة نجد أن " لن " تأتي تأبيدية، أي تؤبد المستقبل أي لا يحدث ولا يتحقق ما بعدها. فهل معنى ذلك أن قول الحق: ﴿ لن تراني ﴾ أن موسى لن يرى الله في الدنيا ولا في الآخرة؟. ونقول: ومن قال إن زمن الآخرة هو زمن الدنيا؟ إن هذه لها زمن وتلك لها زمن آخر: