ختم الله على قلوبهم..
[البقرة: 7]. لأن القلوب وعاء اليقين الإيماني فحين يملأ إنسان وعاء اليقين بالكفر، فهذا يعني أنه عشق الكفر وجعله عقيدة عنده لذلك يساعده الله على مراده، وكأنه يقول له: أنا سأكون على مرادك، ولذلك أطبع على قلبك فلا يخرج ما فيه من الكفر، ولا يدخل فيه ما خرج منه من الإيمان الفطري الذي خلق الله الناس عليه. لأنك أنت قد سبقت ووضعت في قلبك قضية يقينية على غير إيمان لأن أصول الإيمان أن تخرج ما في قلبك من أي اعتقاد، ثم تستقبل الإيمان بالله، ولكنك تستقبل الكفر وترجحه على الإيمان. إن الله سبحانه لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه: قلب يؤمن، وقلب لا يؤمن، بل جعل قلبا واحدا، والقلب الواحد حيز، والحيز - كما قلنا - لا تداخل للمحيز فيه فحين نأتي بزجاجة فارغة ونقول: إنها " فارغة " فالذي يدل على كذب هذه الكلمة أننا حين نضع فيها المياه تخرج منها فقاقيع الهواء، وخروج فقاقيع الهواء هو الذي يسمح بدخول المياه فيها لأن الزجاجة ليست فارغة، بل يخيل لنا ذلك لأن الهواء غير مرئي لنا.
ولو كانت الزجاجة مفرغة من الهواء دون إعداد دقيق في صناعتها لتلك المهمة لكان من الحتمي أن تنكسر. والقلب كذلك له حيز إن دخل فيه الإيمان بالله لا يسع الكفر، وإن دخل فيه الكفر - والعياذ بالله لا يسع الإيمان، والعاقل هو من يطرح القضيتين خارج القلب، ثم يدرس هذه ويدرس تلك، وما يراه مفيدا لحياته ولآخرته يسمح له بالدخول. أما أن تناقش قضية الإيمان بيقين قلبي بالكفر فهذه عملية لا تؤدي إلى نتيجة. ﴿ أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلهآ أن لو نشآء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون ﴾ [الأعراف: 100]. أي أو لم يتبين للذين يستخلفون في الأرض من بعد إهلاك الذين سبقوهم بما فعلوا من المعاصي والكفر فسار هؤلاء القوم سيرة من سبقهم وعملوا أعمالهم وعصوا ربهم أن لو نشاء فعلنا بهم من العذاب كما فعلنا بمن قبلهم وقوله: ﴿ فهم لا يسمعون ﴾ أي السماع المؤدي إلى الاعتبار والاتعاظ فكأنهم لم يسمعوا. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ تلك القرى نقص... ﴾.