[العلق: 6-7]. وساعة ما يجد الإنسان أن كل الأسباب مواتية له فعليه أن يذكر الله. إن الإنسان بمجرد إرادة أن يقوم من مكانه فهو يقوم. وبمجرد إرادة أن يصفع أحدا فهو يصفعه لأن الأبعاض التي في الإنسان خاضعة لمراده، فإذا كانت أبعاضك خاضعة لمراداتك أنت، وأنت مخلوق، فكيف لا يكون الكون كله مرادا للحق بالإرادة؟ فإذا استغنى الإنسان بالأسباب، فالحق يلفته إليه. فالقادر الذي كان بفتوته يفعل. يسلب الله منه القدرة بالمرض فيمد يده ليساعده إنسان على القيام والذي اعتز بشيء يذله الله بأشياء. لماذا؟ حتى يلفته إلى المسبب، فلا يفتن بالأسباب. ويدع لنا الحق سبحانه وتعالى في كونه عجائب، ونجد العالم وقد تقدم الآن تقدما فضائيا واسعا، واستطاع الإنسان أن يكتشف من أسرار كون الله ما شاء، ولكن الحق يصنع لهم أحيانا أشياء تدلهم على أنهم لا يزالون عاجزين. فبعد أن تكتمل لهم صناعة الآلات المتقدمة يكتشفون خطأ واحدا يفسد الآلة ويحطمها، وتهب زوبعة أو إعصار يدمر كل شيء، أو يشتعل حريق هائل. فهل يريد الله بكونه فسادا وقد خلقه بالصلاح؟ لا، إنه يريد أن يلفتنا إلى ألا نغتر بما أوتينا من أسباب. فالذين عملوا " الرادار " لكي يبين لهم الحدث قبل أن يقع، يفاجئهم ربنا - أحيانا - بأشياء تعطل عمل " الرادار " ، فيعرفون أنهم مازالوا ناقصي علم. إذن فالأخذ بالبأساء، والأخذ بالضراء، سنة كونية ليظل الإنسان فاهما وعالما أنه خليفة في الأرض لله. وفساد الإنسان أن يعلم أنه أصيل في الكون، فلو كنت أصيلا في الكون فحافظ على نفسك في الكون ولا تفارقه بالموت.
وإن كنت أصيلا في الكون فذلل الكون لمراداتك. ولن تستطيع لأن هناك طبائع في الكون تتمرد عليك، ولا تقدر عليها أبدا. وترى أكثر من مفاعل ذري ينفجر بعد إحكامه وضبطه لماذا؟! ليدل على طلاقة القدرة وأن يد الله فوق أيديهم، إذن فأخذ الناس بالبأساء والضراء، وبالشيء الذي نقول إنه شر إنما هو طلب اعتدال للإنسان الخليفة، حتى إذا اغتر يرده الله سبحانه وتعالى من الأسباب إلى المسبب. وحين يأخذ الله قوما بالبأساء التي تصيب الإنسان في غير ذاته: مال يضيع، ولد يفقد، بيت يهدم، أو يأخذهم بالضراء وهي الأشياء التي تصيب الإنسان في ذاته، فذلك ليسلب منهم أبهة الكبرياء، فلا يجدون ملجأ إلا أن يخضعوا لرب الأرض والسماء، ولكي يتضرعوا إلى الله، ومعنى التضرع - كما عرفنا - إظهار الذلة لله. وإذا لم يجد وينفع فيهم هذا، وقالوا: لا، إن البأساء والضراء مجرد سنن كونية، وقد تأتي للناس في أي زمان أو مكان. نقول لهم: صحيح البأساء والضراء سنن كونية من مكون أعلى من الكون، فإذا لم يرتدعوا بالبأساء والضراء ويرجعوا إلى ربهم ويتوبوا إليه يبتليهم الله بالنعماء، فهو القائل:
فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون
[الأنعام: 44]. فالمجتمعات حين تبتعد عن منهج السماء نجد الحق ينتقم منهم انتقاما يناسب جرمهم، ولو أنه أخذهم على حالهم المتواضع فلن تكون الضربة قوية لذلك يوسع عليهم في كل شيء حتى إذا ما سلب منهم وأخذهم بغتة وفجأة تكون الضربة قوية قاصمة ويصيبهم اليأس والحسرة. وقديما قلنا تعبيرا ريفيا هو: إن الإنسان إن أراد أن يوقع بآخر لا يوقعه من على حصيرة، إنما يوقعه من مكان عال. وربنا يعطي للمنكرين الكثير ويمدهم في طغيانهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. وقد دلت وقائع الحياة على هذا، ورأينا أكثر من ظالم وجبار في الأرض والحق يملي له في العلو ويمد له في هذه الأسباب ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر، ولو بواسطة حارسه. ﴿ ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضرآء والسرآء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ﴾ [الأعراف: 95]. وقد يضبط الإنسان أشياء تعلمه بواقع الشر في مستقبله. مثلها مثل " الرادار " الذي يكشف لنا أي خطر في الأفق قبل أن يأتي، وحين يقول سبحانه: ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أي ليس عندهم حساب ولا مقاييس تدلهم على أن شرا يحيق بهم. وأنت لو نظرت إلى هذه المسألة لوجدت الإنسان بعقله وفكره الذي لم يسلك فيه طريق الله بل سلك فيه السبيل غير الممنهج بمنهج الله، وبينما لا يلتفت الإنسان إلى مجيء الكارثة، ويتساءل: لماذا تجري هذه الحيوانات؟! إنه في هذه الحالة يكون أقل من الحيوانات لأن الحيوان من واقع الأحداث في بلد تحدث فيه الزلازل يكون أول خارج من منطقة الزلزال، إن الله سلبه هذه المعرفة حتى تتمكن منه الضربة، إننا نجد الحمار يجري ليغادر مكان الزلزال، بينما يظل الإنسان واقفا حتى يحيق ويحيط به الخطر، فأي إحساس وأي استشعار عند الحيوان؟ إنه استشعار غريزي خلقه ربه فيه لأنه سلب منه التعقل فأعطاه حكمة الغرائز.