فالحسن عند بعض الرجال إذا رأى امرأة أن ينظر إليها ويتكلم معها، لكن هل هذا حسن عند أهلها أو أبيها أو زوجها؟ لا. إن الذي تعجبتم منه كان يجب أن تأخذوه على أنه هو الأمر الطبيعي الفطري الذي تستلزمه المقدمات. فقد جاءكم البلاغ على لسان رجل منكم. ولماذا لم يقل الحق: لسان رجل؟ إننا نعلم أن هناك آية ثانية يقول فيها الحق:
ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك
[آل عمران: 194] كأنه يقول لهم: إن الوعد الذي وعده الحق لكم قد جاء لكم بالمنهج الذي نزل على الرسل. ومهمة الرسل صعبة فليست مقصورة على التبليغ باللسان لأن مشقاتها كلها على كاهل كل رسول، ولا تظنوا أن ربنا حين اختار رسولا قد اختاره ليدلله على رقاب الناس، لا. لقد اختاره وهو يعلم أن المهمة صعبة، والرسول صلى الله عليه وسلم - كما تعلمون - لم يشبع من خبز شعير قط، وأولاده وأهله - على سبيل المثال - لا يأخذون من الزكاة، والرسل لا تورث فجميع ما تركوه صدقة، وكل تبعات الدعوة على الرسول، وهذه هي الفائدة في أنه لم يقل على لسان رسول، لأن الأمر لو كان على لسان الرسول فقط لأعطى البلاغ فقط، إنما " على رجل منكم " تعطي البلاغ ومسئولية البلاغ على هذا الرجل. ﴿ أو عجبتم أن جآءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون ﴾ [الأعراف: 63]. ما هو العجب؟ لقد كان العجب أن تردوا الألوهية والنبوة. وبعضهم لم يرد الألوهية ورد فكرة النبوة على الإنسان. وطالب أن يكون الرسول من الملائكة لأن الملائكة لم تعص ولها هيبة ولا يعرف عنها الكذب. لكن كيف يصبح الرسول ملكا؟ وهل أنت ترى الملك؟ إن البلاغ عن الله يقتضي المواجهة، ولابد أن يراه القوم ويكلموه، والملك أنت لن تراه. إذن فلسوف يتشكل على هيئة رجل كما تشكل جبريل بهيئة رجل. إذن أنتم تستعجبون من شيء كان المنطق يقتضي ألا يكون.
وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا
[الإسراء: 94]. وقولهم هذا في قمة الغباء. فقد كان عليهم أن يتهافتوا ويقبلوا على الإيمان لأن الرسول منهم. وقد عرفوا ماضيه من قبل، وكذلك أنسوا به، ولو كانت له انحرافات قبل أن يكون رسولا لخزي واستحيا أن يقول لهم: استقيموا. وما دام هو منكم وتعرفون تاريخه وسلوكه حين دعاكم للاستقامة كان من الواجب أن تقولوا لأنفسكم: إنه لم يكذب في أمور الدنيا فكيف يكذب في أمور الآخرة، ولم يسبق له أن كذب على خلق الله فكيف يكذب على الله؟ ولأنه منكم فلا بد أن يكون إنسانا ولذلك قال الحق:
ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون
[الأنعام: 9]. وهنا في الآية التي نحن بصددها يقول الحق: ﴿ على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون ﴾. إذن فمهمته أن ينذر، والإنذار لقصد التقوى، والتقوى غايتها الرحمة، وبذلك نجد هنا مراحل: الإنذار وهو إخبار بما يسؤوك ولم يأت زمنه بعد وذلك لتستعد له، وتكف عنه لأنه سيتعبك ويضايقك. والبشارة ضد الإنذار، لأنها تخبر بشيء سار زمنه لم يأت، وفائدة ذلك أن يجند الإنسان كل قوته ليستقبل الخير القادم. وأن يبتعد عن الشيء المخيف. وهكذا يكون التبشير والإنذار لتتقي الشرور وتأخذ الخير، وبذلك يحيا الإنسان في التقوى التي تؤدي إلى الرحمة. إذن فمواطن تعجبهم من أن يجيئهم رسول مردودة لأن مواطن التعجب هذه كان يجب أن يلح عليها فطريا، وأن تنعطف النفس إليها لا أن يتعجب أحد لأنها جاءت، فقد جاءت الرسالة موافقة للمقدمات، وقد جاء الرسول ولم يأت ملكا ليكون قدوة. وكذلك لم يرسله الله من أهل الجاه من الأعيان ومن صاحب الأتباع حتى لا يقال إن الرسالة قد انتشرت بقهر العزوة، إن الأتباع كانوا موافقين على الباطل بتسلط الكبراء والسادة، فمخافة أن يقال: إن كل تشريع من الله آزره المبطلون بأتباعهم جاءت الدعوة على أيدي الذين ليس لهم أتباع ولا هم من أصحاب الجاه والسلطان. ولقد تمنى أهل الشرك ذلك ويقول القرآن على لسانهم: