تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولقد جآءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جآءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا..

[غافر: 34]. لقد وردت في سورة يوسف حياة يوسف منذ أن كان طفلا حتى أصبح عزيز مصر، وهكذا نرى أن الحق حين يشاء أن يأتي بالقصة كتاريخ يأتي بها محبوكة، وحين يريد أن يلفتنا إلى أمور فيها مواقف وعظات، يوزع لقطات القصة على مواقع متعددة تتناسب وتتوافق مع تلك المواقع لتأكيد وخدمة هدف.

﴿ لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ياقوم.. ﴾ [الأعراف: 59]. وساعة ترى " اللام " و " قد " فاعرف أن هذا قسم، وكأن الحق يقول: وعزتي وجلالي لقد أرسلت نوحا. وهو بهذا يؤكد المقسم عليه. والقوم هم الرجال خاصة من المعشر لأن القوم عادة هم المواجهون للرسالة، والمرأة محتجبة تسمع من أبيها أو من أخيها أو من زوجها، ولذلك قالت النساء للنبي: غلبنا عليك الرجال. أي أننا لا نجد وسيلة لنقعد معك ونسألك، فاجعل لنا يوما من أيامك تعظنا فيه، فجعل لهن يوما لأن المفروض أن تكون المرأة في ستر، وبعد ذلك ينقل لها الزوج المنهج. إن سمع من الرسول شيئا، وكذلك الأب يقول لابنته، والأخ يقول لأخته. فإذا تكلم الرسول يقال: إن الرسول واجه القوم، من قولهم هو قائم على كذا. وقيم على كذا. ولذلك الشاعر العربي يقول:

وما أدرى ولست أخال أدري

أقوم آل حصن أم نساء

وجاء هنا بالقوم، والمراد بهم الرجال، والقرآن يقول:

لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نسآء من نسآء عسى أن يكن خيرا منهن..

[الحجرات: 11]. إذن فالنساء لا تدخل في القوم فالقوم هم المواجهون للرسول ومنهم تأتي المتاعب والتصلب في الرأي، ويكون الإنكار والجحود والحرب منهم. وسيدنا نوح عليه السلام دعا قومه ونبههم إلى ثلاثة أشياء: عبادة الله، فقال: ﴿ ياقوم اعبدوا الله ﴾ ، وبين لهم أنه ليس هناك إله سواه فقال: ﴿ ما لكم من إله غيره ﴾ ، وأظهر لهم حرصه وإشفاقه عليهم إذا خالفوا وعصوا فقال: ﴿ إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ﴾. وهكذا تكلم عن العقيدة في الإله الواحد المستحق للعبادة، وليس آلهة متعددة، ونعبده أي نطيع أمره ونهيه، ولأنهم إن لم يفعلوا ذلك فهو يخاف عليهم من عذاب يوم عظيم، وهو عذاب يوم القيامة. أو أن الله كان قد أوحى له بأنه سيأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وعذاب يوم عظيم أي يوم الإغراق، و " الخوف " مسألة تتعب تفكير من يستقبلها ويخاف أن يلقاها. فمن الذي يفزع بهذا؟ إن الذي يفزع هم الطغاة والجبابرة والسادة والأعيان ووجوه القوم، وكانوا قد جعلوا من أنفسهم سادة، أما سائر الناس وعامتهم فهم العبيد والمستضعفون. والذي يهاج بهذه الدعوة هم السادة لأنه ليس هناك إلا إله واحد، والأمر لواحد والنهي لواحد والعبادة والخضوع لواحد، ومن هنا فسوف تذهب عنهم سلطتهم الزمنية، لذلك يوضح الحق لنا موقف هؤلاء من الدعوة حين يقول: ﴿ قال الملأ من قومه... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٨١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٨١٧