" أيها الناس اربعوا على أنفسكم، إنكم ليس تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم ".
والدعاء إلى الله خفية يبتعد بك عن الرياء وهو أستر لك في مطلوباتك من ربك لأنه حين يوضح لك: ادعني في سرك لأنني سميع عليم فاعلم كل ما ظهر منك وما بطن، ادع بالخضوع والخشوع والتذلل لتنكسر فيك شهوة الكبرياء، وشهوة الغطرسة، وشهوة الجبروت. وإذا ما نظرت إلى هذا تجد أن كثيرا من العلماء يقولون: - نعرف قوما يقرأون القرآن في محضرنا وما عرفنا لشفاههم حركة، وعرفنا قوما يستنبطون الأحكام من كلام الله وما رأينا منهم انفعالا يصرفهم عنا. إذن فالمسألة تعبر عن شغل باطني داخلي. ويريد الحق سبحانه وتعالى أن يبعدنا عن الرياء ويريد أن يستر علينا مطلوباتنا لأن الإنسان قد يطلب من الله سبحانه وتعالى ما يستحي أن يسمعه آخر. ﴿ ادعوا ربكم تضرعا وخفية.. ﴾ [الأعراف: 55]. ولو نظرت إلى هذه الآية لوجدت أن كثيرا من الناس يخالفونها مخالفات جماعية في الليل مثلا تجد من يصعدون على المآذن أو يصيحون في مكبرات الصوت التي أغنتهم عن صعود المآذن، ويكون الواحد من هؤلاء نائما طول النهار لأن رفع الأذان هو عمله ليس غير، وبعد ذلك يظل يصرخ ويستغيث ويقول: " إن هذه ابتهالات ".
بينما من الناس من هو نائم ليأخذ قسطه من الراحة ليؤدي عمله نهارا، ولا أحد يطلب من هذا النائم إلا أنه إذا جاء الفجر يستيقظ ويؤدي الصلاة. فلماذا نقلق الناس بهذا؟ إننا لا بد أن ننبه هؤلاء الذين يظنون أنهم يذكرون الناس بدين الله، إنهم بعملهم هذا لا يسلكون الطريق الصحيح لأننا لا يمكن أن نذكر الناس بالله ونصنع مخالفة أو نؤذي أحدا فسبحانه يقول: ﴿ ادعوا ربكم تضرعا وخفية ﴾. والتضرع والخفية تقتضي ألا أقلق الناس، أو أن أعلن الأمور التي أريدها لنفسي خاصة بصوت عال مثل من يأتي في ختام الصلاة ويقول دعاءه بصوت عال وهو رافع يديه، ولمثل هذا أقول: إن الله سبحانه وتعالى جعل لنا القنوت لندعو فيه، وترك كل مسلم أن يدعو بما ينفعل له. وأنت حين تدعو في ختام الصلاة قد يوجد مصل مسبوق لحق الصلاة بعد أن سبقه الإمام بركعة أو باثنتين أو بثلاث ويريد أن يكمل صلاته، وأنت حين ترفع صوتك بالدعاء حين تختم صلاتك إنما تفسد عليه إتمام صلاته. وتشغله بمنطوق من عندك وبكلام من عندك عن شيء واجب عليه. ومن يفعل ذلك إنما يفعله عن حسن نية، لكنه يسيء إلى عبادة آخر. إذن فلا بد أن نتنبه إلى أن الله سبحانه وتعالى له مطلوبات، هذه المطلوبات قد تخالفها النفس لغرض ترى أنه حسن، لكن خذها في إطار:
قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا
[الكهف: 103-104]. فلا بد أن نتنبه إلى مثل هذه المسائل، وعلينا أن نوفر الراحة لمن ينام ليقوم ويصلي الصبح ويذهب إلى عمله لذلك لا داعي أن يفتح إنسان " الميكروفون " ويعلو صوته بالدعاء، ومن يفعل ذلك يظن أنه يحرص على أمر مطلوب فيزعج النائم، بل ويزعج من يصلي بالليل أو " يشوش " على من يقرأ القرآن أو يستذكر بعضا من العلم. إن على من يفعل ذلك أن يترك كل إنسان لانفعالاته، وأن يكون ملك نفسه وملك اختياره. ويعطينا الحق سبحانه وتعالى صورا كهذه فيقول:
إذ نادى ربه ندآء خفيا * قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعآئك رب شقيا
[مريم: 3-4]. إذن كلمة " خفي " موجودة في القرآن، ولا بد أن نتنبه إلى الدعاء الخفي. ﴿ ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين ﴾ [الأعراف: 55].
إذن إن لم يكن تضرعا وخفية فهو اعتداء في الدعاء لأنك مكلف والله هو المكلف، وهو يقول لك: ادعوني تضرعا وخفية. فإن فعلت غير هذا تكن معتديا، وعلى كل هؤلاء أن يفهموا أنهم معتدون فإما أن يكون الاعتداء في أسلوب الطلب وإما ان يكون الاعتداء في المطلوب. لأن الحق حدد أسلوب الطلب فأوضح: ادعوني بخفاء، فإن دعوت في غير الخفاء تكن معتديا على منهج الله. وكذلك قد يكون الاعتداء في المطلوب فلا يصح مثلا أن تقول: إنني أدعوك يا رب أن تجعلني نبيا. إن ذلك لا يصح وربنا سبحانه وتعالى علمنا فيما سرده عن نوح. فقال: