إن هذا يظهر ويتضح عندما نأخذ مال السفيه منه للحفاظ عليه وصيانته وتثميره له، فنكون قد أخذنا حقا من صاحبه رعاية لهذا الحق، فهو وإن كان في ظاهره بغيا على صاحب الحق إلا أنه كان لصالحه وللصالح العام فهذا بغي بحق أو أنه سمي بغيا لأنه جاء على صورة استلاب الحق من صاحبه ظلما، ويسمى هذا في علم البلاغة مشاكلة وهي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبة ذلك الغير، ونقرأ أيضا قول الله:
وجزآء سيئة سيئة مثلها..
[الشورى: 40]. فهل جزاء السيئة يكون سيئة؟ لا. وإنما هي سيئة بالنسبة لمن وقعت عليه لأنه لما عمل سيئة واختلس مالا - مثلا - وضربت على يده وأخذت منه المال فقد أتعبته ولذلك فالحق يقول:
وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين
[النحل: 126]. ومن بغى بغير حق علينا أن نذكره بأن هناك من هو أقوى منه، وأن يتوقع أن يناله بغي ممن هو أكثر قدرة منه. وينبهنا الحق إلى العمل الذي لا غفران له: ﴿ وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ﴾. ومحال أن ينزل الحق الذي نعبده شريكا له ويؤيده بالبرهان والسلطان والحجة على أنه شريك له - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا لأن من خصائص الإيمان أنه سبحانه ينفي هذا الشرك بأدلته العقلية وأدلته النقلية. وإذا كان الحق قد قال لنا في هذه الآية: ﴿ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾ [الأعراف: 33]. فبعض من الآيات الأخرى جمعت هذه الأشياء، في إطار إيجازي ومع المقابل أيضا، يقول الحق:
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتآء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر..
[النحل: 90]. لقد جاء بالفحشاء في هذه الآية ليؤكد طهارة الأنسال، وجاء أيضا بتحريم المنكر والبغي، وزاد في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها الإثم فقط. وكأن الإثم في آية الأمر بالعدل والإحسان والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، مطمور في " المنكر " ، والمنكر ليس محرما بالشرع فقط، بل هو ما ينكره الطبع السليم وأيضا فصاحب الطبع غير السليم يحكم أنه منكر إذا كانت المعاصي تعود عليه بالضرر، هنا يقول: أعوذ بالله منها. وإن كان هو يوقعها على الغير فهو يعتقد أنها غير منكر، وعلى سبيل المثال نجد رجلا يبيح لنفسه أن يفتح أعينه على عورات الناس ويتلذذ بهذه المسألة. لكنه ساعة يرى إنسانا آخر يفتح عينيه على عورته أو على ابنته مثلا إنه يرى في ذلك أبشع المنكرات لذلك لا بد أن تجعل للمنكر حدا يشملك ويشمل غيرك ولا تنظر إلى الأمر الذي تكلف به أنت وحدك، وإنما انظر إلى الأمر المكلف به الآخرون.. وإياك أن تقول: إنه حدد بصري من أن يتمتع بجسم يسير أمامي، إنه - سبحانه - كما حرم نظرك إلى ذلك، حرم أنظار الناس جميعا أن ينظروا إلى محارمك وفي هذا صيانة لك. وبعد أن حلل هذه الطيبات والزينة، وحرم الفواحش والمنكر والبغي والإثم يقول سبحانه: ﴿ ولكل أمة أجل فإذا جآء... ﴾.