تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم ".

ونقول: هل فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أو لم يفعل؟ لم يفعل رسول الله ذلك، إنما أراد بالأمر التغليظ ليشجعنا على الصلاة في المساجد عند أي أذان للصلاة. ويقول الحق سبحانه: ﴿ وادعوه مخلصين له الدين.. ﴾ [الأعراف: 29]. والدعاء: طلب من عاجز يتجه به لقادر في فعل يحبه الداعي. وحين تدعو ربك ادعه مخلصا له الدين بحيث لا يكون في بالك الأسباب لأن الأسباب إن كانت في بالك فأنت لم تخلص الدين، لأن معنى الإخلاص هو تصفية أي شيء من الشوائب التي فيه، والشوائب في العقائد وفي الأعمال تفسد الإتقان والإخلاص، وإياكم أن تفهموا أن أحدا لا تأتي له هذه المسألة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

" أني ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة ".

إذن فالإخلاص عملية قلبية، وأنت حين تدعوا الله ادعه دائما عن اضطرار، ومعنى اضطرار. أن ينقطع رجاؤك وأملك بالأسباب كلها. فذهبت للمسبب، وما دمت مضطرا سيجيب ربنا دعوتك لأنك استنفدت الأسباب، وبعض الناس يدعون الله عن ترف، فالإنسان قد يملك طعام يومه ويقول: ارزقني، ويكون له سكن طيب ويقول: أريد بيتا أملكه. إذن فبعضنا يدعو بأشياء لله فيها أسباب، فيجب أن نأخذ بها، وغالبية دعائنا عن غير اضطرار. وأنا أتحدى أن يكون إنسان قد انتهى به أمر إلى الاضطرار ولا يجيبه الله. ويذيل الحق الآية الكريمة بقوله: ﴿ كما بدأكم تعودون ﴾ [الأعراف: 29]. والله سبحانه يخاطب الإنسان، ويحننه، مذكرا إياه ب " افعل كذا " و " افعل كذا " و " افعل كذا ". وسبحانه قادر أن يخلقه مرغما على أن يفعل، لكنه - جل وعلا - شاء أن يجعل الإنسان سيدا وجعله مختارا، وقهر الأجناس كلها أن تكون مسخرة وفاعلة لما يريد، وأثبت لنفسه - سبحانه - صفة القدرة، ولا شيء يخرج عن قدرته فأنت أيها العبد تكون قادرا على أن تعصي ولكنك تطيع، وهذه هي عظمة الإيمان إنها تثبت صفة المحبوبية لله، فإذا ما غر الإنسان بالأسباب وبخدمة الكون كله، وبما فيه من عافية، وبما فيه من قوة، وبما فيه من مال، تجد الحق يلفته: لاحظ أنك لن تنفلت مني: أنا أعطيت لك الاختيار في الدنيا، لكنك ترجع لي في الآخرة ولن تكون هناك أسباب، ولن تجد إلا المسبب، ولذلك اقرأ:

لمن الملك اليوم لله الواحد القهار

[غافر: 16]. كأن الملك - قبل ذلك - أي في الدنيا - كان للبشر فيه شيء لمباشرتهم الأسباب هذا يملك، وذلك يملك، وآخر يوظف، لكن في الآخرة لا مالك، ولا ملك إلا الله، فإياكم أن تغتروا بالأسباب، وأنها دانت لكم، وأنكم استطعتم أن تتحكموا فيها لأن مرجعكم إلى الله. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ فريقا هدى وفريقا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٧٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٧٨١