تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" كل " هذا هو الأمر، و " لا تقرب " هذا هو النهي. وأوضح سبحانه لآدم أن الذي سيعكر عليه تطبيق منهج الله هو العدو الذي ثبتت عداوته إنه " إبليس " لأنه حين امتنع عن السجود لآدم تلقى الطرد واللعنة فأقسم وقال:

قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين

[ص: 82]. كأن الحق سبحانه وتعالى جعل الجنة كمكان فيه كل مقومات الحياة لآدم بصنع الله - سبحانه - وإعداده، وأعطى له منها القدر الذي يعطي المقوم فلا فضلات تتعبه، ولا ينتفخ ولا يعاني من متاعب في الصحة.. إلخ لأنه سبحانه يعطي لآدم القدر المقوم. وسبحانه قادر على كل شيء بدليل أنه يرعى الجنين في بطن أمه، والجنين ينمو، والنمو معناه أنه يتلقى الغذاء، ولا يخرج منه فضلات لأن الغذاء الذي يدخله الله له على قدر النمو فقط، وحين يكون ربنا هو الذي يمد جنة التدريب بالغذاء، فهو قادر على كامل الإعداد. إذن فالجنة التي وجد فيها آدم بداية ليست هي جنة الجزاء لأن جنة الجزاء لا بد أن تأتي بعد التكليف. ولا يمكن أن يكون فيها تكليف، ومن يسكنها لا يخرج منها. وآدم - كما علمنا - مخلوق للأرض، إذن وجود الجنة هنا يعني أنها مكان التدريب على المهمة في الخلافة أمرا متمثلا في - ﴿ فكلا ﴾ ، ونهيا متمثلا في ﴿ ولا تقربا ﴾ ، لم يقل لهما: لا تأكلا، بل قال: ﴿ ولا تقربا ﴾ لأن القربان مظنة أنه يؤدي إلى الغواية ويدفع إليها. وهو قد أكل منها لأنه جاء ناحيتها واقترب منها، ولو كان قد استمع ولم يقرب لما أكل منها. فكأن الله جعل لآدم في جنة التدريب والتمرين رمزين: الرمز الأول: ل " افعل " ، والرمز الثاني: ل " لا تفعل " ، ونجد أن الذي نهى الله عنه قليل بالنسبة لما أباحه وأمر به. وهذا من رحمة الله بالعباد، فيفعل المؤمن ما يؤمر به، ولا يحوم حول ما حرمه الله لأنه لا يأمن حين يرى ما حرم الله أن تميل نفسه إليه، ولذلك قال: ﴿ ولا تقربا ﴾ فلو أنهما لم يقربا ما كانت الشجرة تغريهما بأي منظر. ولذلك في كثير من الأشياء التي يحرمها الحق سبحانه وتعالى وفي قمتها ما يصون ويحفظ العقيدة الأساسية، يقول بعدم الاقتراب أو الاجتناب، فسبحانه هو القائل:

فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور

[الحج: 30]. ولم يقل: " لا تعبدوا الأوثان " ، بل قال: " فاجتنبوا " ، والشأن في " الخمر " أيضا جاء بالاجتناب. لكن بعضا من السطحيين يقول: لم يرد في الخمر تحريم بل قال بالاجتناب، ونقول له: الاجتناب أقوى من المنع ومن التحريم، لأن غاية التحريم أن يمنعك من شرب الخمر. لكن الاجتناب يقتضي ألا تذهب ناحيتها، ولا تقعد في المكان الذي توجد فيه، ولا تعصرها ولا تحملها. ﴿ ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ﴾ [الأعراف: 19]. والظلم هو تجاوز الحد أو إعطاء الشخص غير حقه، ويوضح سبحانه: أنا لم أجعل لكما حقا في أن تقربا ناحية هذه الشجرة، فإن قربها أي منكما، فهو قد خالف ما شرعته لكما، ﴿ فتكونا من الظالمين ﴾ أي تدخلا في إطار من يظلمون أنفسهم لأن الله لا يظلم أحدا، وأنت تظلم نفسك لأنك تعطي نفسك شهوة قليلة في زمن يسير، وبعد ذلك تأخذ عقابها عذابا أليما في زمن طويل وبشكل أشد. وهذا ظلم لنفسك، كما أنه دليل على أنك غير مأمون عليها. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ فوسوس لهما الشيطان... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٧٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٧٦٨