تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله

[الأعراف: 200]. فمعنى ﴿ فاستعذ ﴾ أي فالتجئ منه إلى الله لإن الله الذي أعطاه الخاصية في أن يتغلغل فيك، وفي دمك، وفي خواطرك، هو القادرعلى منعه، وحين تقول: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " بفزع والتجاء إليه - سبحانه - فإنه - جل شأنه - ينقذك منه. وإن كنت تقرأ القرآن ثم جاء لك الخاطر من الشيطان فقل: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " فإذا قلت هذا فكأنك نبهته إلى أنك أدركت من أين جاءت هذه النزغة: مرة واثنتين وثلاثا، فيقول الشيطان لنفسه: إن هذا المؤمن حاذق فطن وحذر لا أستطيع غوايته، ولأبحث عن غيره. ولذلك رأينا الإمام أبا حنيفة، وقد شهر عنه الفتيا، وذهب إليه سائل يقول: ضاع مني مال في أرض كنت قد دفنته فيها، ولا أعرف الآن مكانه. دلني عليه أيها الشيخ؟. وبطبيعة الحال كان هذا السؤال في غير العلم، فقال أبو حنيفة: يا بني ليس في ذلك شيء من العلم، ولكني احتال لك إذا جاء الليل فقم بين يدي ربك مصليا هذه الليلة، لعل الله سبحانه وتعالى يبعث لك جندا من جنوده يقول لك عن مكان مالك. وبينما أبو حنيفة يؤدي صلاة الفجر، وإذا بالرجل يقبل ضاحكا مبتسما قائلا: يا إمام لقد وجدت المال، فضحك أبو حنيفة، وقال: والله لقد علمت أن الشيطان لا يدعك تتم ليلتك مع ربك، وسيأتي ليخبرك، فهلا أتممتها شكرا لله، هيا قم إلى الصلاة.

إذن فقد عرف الشيطان كيف يقعد: وكيف يقسم، لأنه في آية أخرى يقول:

قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين

[ص: 82]. لقد استطاع أن يأتي بالقسم الذي يعينه على مهمته فقال: ﴿ فبعزتك لأغوينهم ﴾ أي بامتناعك عن خلقك وعدم حاجتك إليهم فأنت الغالب الذي لا يقهر لأنك إن أردتهم ما استطعت أن آخذهم، لكنك شئت لكل إنسان أن يختار:

فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر..

[الكهف: 29]. فأقسم، ومن هذا الباب يدخل الشيطان على الإنسان: ﴿ فبعزتك لأغوينهم أجمعين ﴾. واستدرك على نفسه أيضا وقال:

إلا عبادك منهم المخلصين

[ص: 83]. لأن الذي يريده الله مهديا لا يستطيع الشيطان أن يغويه لأنه لا يناهض ربنا ولا يقاومه، إنما يناهض خلق الله، ولا يدخل مع ربنا في معركة، إنما يدخل مع خلقه في معركة ليس له فيها حجة ولا قوة لأن الذي يغلب في المعارك إما أن يرغمك على الفعل، وإما أن يقنعك لتفعل أنت بدون إرغام. وهل يملك إبليس واحدة من هذه؟. لا، ولذلك سيأتي في الآخرة يقول:

وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي..

[إبراهيم: 22]. والسلطان قسمان: سلطان يقهر، وسلطان يقنع. والشيطان يدخل على الإنسان من هذه الأبواب. ويقول الحق بعد ذلك على لسان إبليس: ﴿ ثم لآتينهم من... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٧٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٧٦٤