تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[الحجر: 29]. إذن فقبل النفخ في الروح ستوجد تسوية، فلمن تحدث التسوية، ومن هو " المسوى منه "؟. إن التسوية لآدم. وجاء القول بأنه من صلصال، ومن حمأ مسنون، ومن تراب، ومن طين إنها مراحل متعددة، فإن قال سبحانه عن آدم: إنه تراب، نقول: نعم، وإن قال: " من ماء " نقول: نعم، وإن قال " من طين " فهذا قول حق لأن الماء حين يختلط بالتراب يصير طينا. وإن قال: ﴿ من حمإ مسنون ﴾ ، فهذا جائز لأن الحمأ طين اختمر فتغيرت رائحته ثم جف وصار صلصالا. إذن فهي مراحل متعددة للخلق، ثم قال الحق: ﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾. وهكذا تكتمل فصول الخلق، ثم قال: ﴿ فقعوا له ساجدين ﴾. ويقول العلماء: إن المراد من السجود هو الخضوع والتعظيم، وليس السجود كما نعرفه، وقال البعض الآخر: المراد بالسجود هو السجود الذي نعرفه، وأن آدم كان كالقبلة مثل الكعبة التي نتجه إليها عند الصلاة. ولكن لنا هنا ملحظ، ونقول: إننا لا نسجد إلا لله، وما دام ربنا قد قال: اسجدوا فالسجود هنا هو امتثال لأمر خالق آدم. والنية إذن لم تكن عبادة لآدم، ولكنها طاعة لأمر لله الأول. والأمر بالسجود لآدم قد أراده الله لأنه سبحانه سخر الكون كله لخدمة آدم، ومن الملائكة مدبرات أمر، ومنهم حفظة، ومنهم من هو بين يدي الله، فلم يكن السجود للملائكة خضوعا من الملائكة لآدم، بل هو طاعة لأمر الله، ولذلك سجد الملائكة الموكلون بالأرض وخدمة الإنسان، لكن الملائكة المقربون لا يدرون شيئا عن أمر آدم، ولذلك يقول الحق لإبليس:

أستكبرت أم كنت من العالين

[ص: 75]. والمقصود بالعالين الملائكة الذين لم يشهدوا أمر السجود لآدم، فليس للملائكة العالين عمل مع آدم لأن الأمر بالسجود قد صدر لمن لهم عمل مع آدم وذريته والذين يقول فيهم الحق سبحانه:

له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله..

[الرعد: 11]. وهناك الرقيب، والعتيد والقعيد. وفي كل ظاهرة من ظواهر الكون هناك ملك مخصوص بها، ويبلغنا الحق بمسألة الخلق، والخطاب لنا ﴿ خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم ﴾ وهذا ترتيب إخباري، وليس ترتيبا للأحداث. أو أن الحق سبحانه وتعالى طمر الخلق جميعا في خلق آدم، والعلم الحديث يعطينا أيضا مؤشرات على ذلك، حين يأتون ببذرة ويكتشفون فيها كل مقومات الثمرة، وكذلك الحيوان المنوي توجد فيه كل صفات الإنسان.

ولذلك نجدهم حين يدرسون قانون الوراثة يقولون: إن حياة كل منا تتسلسل عن آخر، فأنت من ميكروب أبيك، وقد نزل من والدك وهو حي، ولو أنه نزل ميتا لما اتصل الوجود. ووالدك جاء من ميكروب جدك وهو حي، وعلى ذلك فكل كائن الآن فيه جزئ حي من لدن آدم، لم يطرأ عليه موت في أي حلقة من الحلقات. إذن فكلنا كنا مطمورين في جزيئات آدم، وقال ربنا سبحانه:

وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم..

[الأعراف: 172]. ونقول: صدق الحق فهو الخالق القادر على أن يخرجنا من ظهر آدم، وهكذا كان الخلق أولا والتصوير أولا، وكل ذلك في ترتيب طبيعي، وهو سبحانه له أمور يبديها ولا يبتديها، أي أنه سبحانه يظهرها فقط، فإذا خاطب آدم وخاطب ذريته فكأنه يخاطبنا جميعا. ﴿ ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين ﴾ [الأعراف: 11]. وعرفنا من هم الملائكة من قبل، وما هي علة السجود. ﴿ فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين ﴾. والحق سبحانه يستثنيه بأنه لم يكن من الساجدين. وهذا دليل على أنه دخل في الأمر بالسجود، ولكن هل إبليس من الملائكة؟ لا لأنك إذا جئت في القرآن ووجدت نصا يدل بالالتزام، ونصا يدل بالمطابقة والقطع فاحمل نص الالتزام على النص المحكم الذي يقطع بالحكم. وقد قال الحق في ذلك:

وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه..

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٧٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٧٥٨