وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقآءنا ائت بقرآن غير هذآ أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقآء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم
[يونس: 15]. وهكذا تتجلى الحجة القوية من أنه صلى الله عليه وسلم مكلف بالبلاغ بما يوحى إليه، ويتأكد ذلك مرة ثانية في قوله الحق:
قل لو شآء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون
[يونس: 16]. وهنا نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد تلقى الأمر من الله بأن يبين لهم: هل علمتم عني خلال عمري أني قلت شعرا أو حكمة أو جئتكم بمثل؟ إذن إن نحن عقلنا الأمر وتبصرنا وتأملنا دعواه لصدقنا أنه رسول الله، وأن المعجزة نزلت عليه من السماء.
﴿ ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين ﴾ [الأعراف: 11]. وهكذا نرى أن مسألة الخلق والإيجاد، كان يجب على العقل البشري أن يبحث فيها، ليعلم مهمته في الوجود. وحين يبحث فيها ليعلم مهمته في الوجود يجب عليه أن يترك كل تخمين وظن لأن هذه المسألة لا يمكن أن تأتي فيها بمقدمات موجودة لتدلنا على كيفية خلقنا ولا لأي شيء ومهمة خلقنا! فكيفية الخلق كانت أمرا غيبيا وليس أمامنا ما نستقرئه لنصل إلى ذلك. وقد حكم الله في قضية الخلق، سواء أكان الأمر بالنسبة للسماوات والأرض وما بينهما أم للإنسان، وقد حكم سبحانه في هاتين القضيتين، ولا مصدر لعلم الأمر فيهما إلا من الله سبحانه وأغلق باب الاجتهاد فيها، وكذلك باب التخمين، وسمى القائمين بكل بحث بشري في هذا المجال بأنهم ضالون مضللون، ولذلك قال ليحكم هذه القضية ويحسمها، ويريح العقول من أن تبحث فيها قال:
مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا
[الكهف: 51]. فكأن الذي يقول: كيف خلقت السماوات والأرض وكيف خلق الإنسان هو مضل لأن الله لم يشهده، ولم يكن هذا القائل عضدا لله ولا سندا ولا شريكا له. وقص سبحانه علينا قصة خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان، وهذه الآية تتعرض لخلق الإنسان. ومن يبحث بحثا استقرائيا ويرجع إلى الوراء فلا بد أن يجد أن الأمر منطقي لأن العالم يتكاثر، وتكاثره أمر مرئي، وليس التكاثر في البشر فقط، بل فيمن يخدمون البشر من الأجناس الأخرى، نجد فيهم ظاهرة التكاثر نباتا وحيوانا، وإذا ما نظرنا إلى التعداد من قرن وجدنا العدد يقل عن التعداد الحالي وهو خمسة آلاف مليون، وكلما عدنا ورجعنا إلى الزمن الماضي يقل التعداد إلى أن نصل إلى اثنين لأن الخلق إنما يأتي من اثنين، وحل الله لنا اللغز فقال:
الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها..
[النساء: 1]. وهذا كلام صحيح يثبته الإحصاء وييقنه لأن العالم يتكاثر مع مرور الزمن مستقبلا.
وبث منهما رجالا كثيرا ونسآء..
[النساء: 1]. وهذا كلام صادق. وسبحانه القائل:
ومن كل شيء خلقنا زوجين..
[الذاريات: 49]. وأبلغنا سبحانه بقصة خلق آدم، وكيفية خلق حواء فهل أخذ جزءا من آدم وخلق منه حواء؟ قد يصح ذلك، أو خلق منها زوجها ويكون المقصود به أنه خلقها من الجنس نفسه وبالطريقة نفسها؟ وذلك يصح أيضا، فسبحانه قد اكتفى بذكر خلق آدم عن ذكر خلق حواء، وأعطانا النموذج في واحد، وقال:
وخلق منها زوجها
[النساء: 1]. و ﴿ منها ﴾ في هذه الآية يحتمل أن تكون غير تبعيضية، مثلها مثل قوله الحق: " رسول من أنفسكم ". فسبحانه لم يأخذ قطعة من العرب وقال: إنها " محمد " ، بل جعل محمدا صلى الله عليه وسلم من الجنس نفسه خلقا وإيجادا، وسبحانه حين يتكلم هنا يقول للملائكة:
إني جاعل في الأرض خليفة..
[البقرة: 30]. وهذا أول بلاغ، ثم أتبع ذلك:
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين