لأنه ليس فيه آية فيها ذكر الثلاث المجتمعة، وأحرى آية تصرح بعدم لزومها. وقد قدمنا عن النووي وغيره أن العلماء استدلوا على وقوع الثلاث دفعة بقوله تعالى
وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا
الطلاق 1 قالوا معناه أن المطلق قد يحدث له ندم فلا يمكنه تداركه. لوقوع البينونة فلو كانت الثلاث لا تقع، لم يقع طلاقه إلا رجعيا، فلا يندم. وقد قدمنا ما ثبت عن ابن عباس من أنها تلزم مجتمعة، وأن ذلك داخل في معنى الآية وهو واضح جدا. فاتضح أنه ليس في كتاب الله ولا في صريح قول النبي صلى الله عليه وسلم أو فعله ما يدل على عدم وقوع الثلاث. أما من جهة صناعة علم الحديث، والأصول، فما أخرجه مسلم من حديث ابن عباس المتقدم له حكم الرفع. لأن قول الصحابي كان يفعل كذا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، له حكم الرفع عند جمهور المحدثين والأصوليين. وقد علمت أوجه الجواب عنه بإيضاح، ورأيت الروايات المصرحة بنسخ المراجعة بعد الثلاث، وقد قدمنا أن جميع روايات حديث طاوس عن ابن عباس المذكور عند مسلم ليس في شيء منها التصريح بأن الطلقات الثلاث بلفظ واحد، وقد قدمنا أيضا أن بعض رواياته موافقة للفظ حديث عائشة الثابت في الصحيح. وأنه لا وجه للفرق بينهما، فإن حمل على أن الثلاث مجموعة فحديث عائشة أصح، وفيه التصريح بأن تلك المطلقة لا تحل إلا بعد زوج. وإن حمل على أنها بألفاظ متفرقة، فلا دليل إذن في حديث طاوس عن ابن عباس على محل النزاع، فإن قيل أنتم تارة تقولون إن حديث ابن عباس منسوخ، وتارة تقولون ليس معاه أنها بلفظ واحد، بل بألفاظ متفرقة، فالجواب أن معنى كلامنا أن الطلقات في حديث طاوس لا يتعين كونها بلفظ واحد، ولو فرضنا أنها بلفظ واحد، فجعلها واحدة منسوخ هذا هو ما ظهر لنا في هذه المسالة. والله تعالى أعلم ونسبة العلم إليه أسلم. قوله تعالى ﴿ فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ﴾. لم يبين في هذه الآية ولا في غيرها من آيات الطلاق حكمة كون الطلاق بيد الرجل دون إذن المرأة، ولكنه بين في موضع آخر أن حكمة ذلك أن المرأة حقل تزرع فيه النطفة كما يزرع البذر في الأرض، ومن رأى أن حقله غير صالح للزراعة فالحكمة تقتضي أن لا يرغم على الازدراع فيه، وأن يترك وشأنه. ليختار حقلا صالحا لزراعته وذلك في قوله تعالى
نساؤكم حرث لكم
البقرة 223 كما تقدم إيضاحه. قوله تعالى ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ﴾.
صرح في هذه الآية الكريمة بأن الزوج لا يحل له الرجوع في شيء مما أعطى زوجته، إلا على سبيل الخلع، إذا خافا ألا يقيما حدود الله، فيما بينهما، فلا جناح عليهما إذن في الخلع. أي لا جناح عليها هي في الدفع، ولا عليه هو في الأخذ. وصرح في موضع آخر بالنهي عن الرجوع في شيء مما أعطى الأزواج زوجاتهم، ولو كان المعطى قنطارا وبين أن أخذه بهتان وإثم مبين، وبين أن السبب المانع من أخذ شيء منه هو أنه أفضى إليها بالجماع. وذلك في قوله تعالى
وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا
النساء 20-21. وبين في موضع آخر أن محل النهي عن ذلك إذا لم يكن عن طيب النفس من المرأة. وذلك في قوله
فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا
النساء 4. وأشار إلى ذلك بقوله
ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة
النساء 24. تنبيه أخذ ابن عباس من هذه الآية الكريمة أن الخلع فسخ ولا يعد طلاقا. لأن الله تعالى قال ﴿ الطلاق مرتان ﴾ البقرة 229 ثم ذكر الخلع بقوله ﴿ فلا جناح عليهما فيما افتدت به ﴾ البقرة 229. فلم يعتبره طلاقا ثالثا ثم ذكر الطلقة الثالثة بقوله