تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17 - سورة الإسراء

17.1

قوله تعالى ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ﴾ الآية. قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولا ويكون في الآية قرينة تدل على عدم صحة ذلك القول. فإنا نبين ذلك. فإذا علمت ذلك. فاعلم أن هذا الإسراء به صلى الله عليه وسلم المذكور في هذه الآية الكريمة، زعم بعض أهل العلم أنه بروحه صلى الله عليه وسلم دون جسده، زاعما أنه في المنام لا اليقظة، لأن رؤيا الأنبياء وحي. وزعم بعضهم أن الإسراء بالجسد، والمعراج بالروح دون الجسد، ولكن ظاهر القرآن يدل على أنه بروحه وجسده صلى الله عليه وسلم يقظة لا مناما، لأنه قال ﴿ بعبده ﴾ والعبد عبارة عن مجموع الروح والجسد، ولأنه قال ﴿ سبحان ﴾ والتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام. فلو كان مناما لم يكن له كبير شأن حتى يتعجب منه. ويؤيده قوله تعالى

ما زاغ البصر وما طغى

النجم 17 لأن البصر من آلات الذات لا الروح، وقوله هنا ﴿ لنريه من آياتنا ﴾. ومن أوضح الأدلة القرآنية على ذلك قوله جل وعلا

وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن

الإسراء 60 فإنها رؤيا عين يقظة، لا رؤيا منام، كما صح عن ابن عباس وغيره. ومن الأدلة الواضحة على ذلك - أنها لو كانت رؤيا منام لما كانت فتنة، ولا سببا لتكذيب قريش، لأن رؤيا المنام ليست محل إنكار، لأن المنام قد يرى فيه ما لا يصح. فالذي جعله الله فتنة هو ما رآه بعينه من الغرائب والعجائب. فزعم المشركون أن من ادعى رؤية ذلك بعينه فهو كاذب لا محالة، فصار فتنة لهم. وكون الشجرة الملعونة التي هي شجرة الزقوم على التحقيق فتنة لهم - " أن الله لما أنزل قوله

إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم

الصافات 64 قالوا ظهر كذبه. لأن الشجر لا ينبت بالأرض اليابسة، فكيف ينبت في أصل النار! " كما تقدم في البقرة. ويؤيد ما ذكرنا من كونها رؤيا عين يقظة قوله تعالى هنا ﴿ لنريه من آياتنا ﴾ الآية، وقوله

ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى

النجم 17-18. وما زعمه بعض أهل العلم من أن الرؤيا لا تطلق بهذا اللفظ لغة إلى على رؤيا المنام، مردود. بل التحقيق أن لفظ الرؤيا يطلق في لغة العرب على رؤية العين يقظة أيضا. ومنه قول الراعي وهو عربي قح

فكبر للرؤيا وهش فؤاده وبشر نفسا كان قبل يلومها

فإنه يعني رؤية صائد بعينه. ومنه أيضا قول أبي الطيب

ورؤياك أحلى في العيون من الغمض

قاله صاحب اللسان وزعم بعض أهل العلم أن المراد بالرؤيا في قوله

وما جعلنا الرؤيا التي أريناك

الإسراء 60 الآية، رؤيا منام، وأنها هي المذكورة في قوله تعالى

لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله

الفتح 27 الآية والحق الأول. وركوبه صلى الله عليه وسلم على البراق يدل على أن الإسراء بجسمه. لأن الروح ليس من شأنه الركوب على الدواب كما هو معروف، وعلى كل حال فقد تواترت الأحاديث الصحيحة عنه " أنه أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وأنه عرج به من المسجد الأقصى حتى جاوز السماوات السبع ". قد دلت الأحاديث المذكورة على أن الإسراء والمعراج كليهما بجسمه وروحه، يقظة لا مناما، كما دلت على ذلك أيضا الآيات التي ذكرنا. وعلى ذلك من يعتد به من أهل السنة والجماعة، فلا عبرة بمن أنكر ذلك من الملحدين. وما ثبت في الصحيحين من طريق شريك عن أنس رضي الله عنه أن الإسراء المذكور وقع مناما - لا ينافي ما ذكرنا مما عليه أهل السنة والجماعة، ودلت عليه نصوص الكتاب والسنة. لإمكان أن يكون رأي الإسراء المذكور نوما، ثم جاءت تلك الرؤيا كفلق الصبح فأسري به يقظة تصديقا لتلك الرؤيا المنامية. كما رأى في النوم أنهم دخلوا المسجد الحرام، فجاءت تلك الرؤيا كفلق الصبح، فدخلوا المسجد الحرام في عمرة القضاء عام سبع يقظة، لا مناما، تصديقا لتلك الرؤيا. كما قال تعالى

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٦٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٦٤٠