تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

98 - سورة البينة

98.1-4

ذكر هنا الذين كفروا، ثم جاءت من، وجاء بعدها أهل الكتاب والمشركين، مما يشعر بأن وصف الكفر يشمل كلا من أهل الكتاب والمشركين، كما يشعر مرة أخرى أن المشركين ليسوا من أهل الكتاب لوجود العطف، وأن أهل الكتاب ليسوا من المشركين.

وهذا المبحث معروف عند المتكلمين وعلماء التفسير، واتفقوا على: أن أهل الكتاب هم اليهود والنصارى، وأن المشركين هم عبدة الأوثان، والكفر بجميع القسمين.

وأهل الكتاب مختص باليهود والنصارى، ولكن الخلاف هل الشرك يجمعهما أيضا أم لا؟

فبين الفريقين عموم وخصوص، عموم في الكفر وخصوص في أهل الكتاب لليهود والنصارى، وخصوص في المشركين لعبدة الأوثان.

ولكن جاءت آيات تدل على أن مسمى الشرك يشمل أهل الكتاب أيضا: كما في قوله تعالى:

وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم ومآ أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون

[التوبة: 30-31].

فجعل مقالة كل من اليهود والنصارى إشراكا.

وجاء عن عبد الله بن عمر منع نكاح الكتابية وقال: " وهل كبر إشراكا من قولها:

اتخذ الله ولدا

[البقرة: 116]، فهو وإن كان مخالفا للجمهور في منع الزواج من الكتابيات، إلا أنه اعتبرهن مشركات.

ولهذا الخلاف والاحتمال وقع النزاع فى مسمى الشرك، هل يشمل أهل الكتاب أم لا؟ مع أننا وجدنا فرقا في الشرع في معاملة أهل الكتاب ومعاملة المشركين، فأحل ذبائح أهل الكتاب ولم يحلها من المشركين، وأحل نكاح الكتابيات ولم يحله من المشركات، كما قال تعالى:

ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن

[البقرة: 221].

وقوله:

ولا تمسكوا بعصم الكوافر

[الممتحنة: 10].

وقال:

لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن

[الممتحنة، 10]، بين ما في حق الكتابيات قال:

والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذآ آتيتموهن أجورهن

[المائدة: 5]، فكان بينهما مغايرة في الحكم.

وقد جمع والدنا الشيخ محمد الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه بين تلك النصوص في دفع إيهام الاضطراب عند قوله تعالى:

وقالت اليهود عزير ابن الله

[التوبة: 30]، المتقدم. ذكرها جمعا مفصلا مفاده أن الشرك الأكبر المخرج من الملة أنواع، وأهل الكتاب متصفون ببعض دون بعض، إلى آخر ما أورده رحمه الله تعالى علينا وعليه.

ولعل في نفس آية ﴿ وقالت اليهود عزير ابن الله ﴾ ، فيها إشارة إلى ما ذكره رحمة الله تعالى علينا وعليه من وجهين:

الأول: قوله تعالى:

يضاهئون قول الذين كفروا

[التوبة: 30]، أي يشابهونهم في مقالتهم، وهذا القدر اتصف به المشركون من انواع الشرك.

الثاني: تذييل الآية بصيغة المضارع عما يشركون بين ما وصف عبدة الأوثان في سورة البينة بالاسم والمشركين.

ومعلوم أن صيغة الفعل تدل على التجدد والحدوث، وصيغة الاسم تدل على الدوام والثبوت، فمشركو مكة وغيرهم دائمون على الإشراك وعبادة الأصنام، وأهل الكتاب يقع منهم حينا وحينا.

وقد أخذ بعض العلماء: أن الكفر ملة واحدة، فورث الجميع من بعض، ومنع الآخرون على أساس المغايرة والعلم عند الله تعالى.

تنبيه

بقي المجوس وجاءت السنة أنهم يعاملون معاملة أهل الكتاب لحديث:

" سنوا بهم سنة أهل الكتاب ".

وقوله تعالى: ﴿ منفكين حتى تأتيهم البينة ﴾ ، اختلف في منفكين اختلافا كثيرا عند جميع المفسرين، حتى قال الفخر الرازي عند أول هذه السورة ما نصه: قال الواحدي في كتاب البسيط: هذه الآية من أصعب ما في القرآن العظيم نظما وتفسيرا، وقد تخبط فيها الكبار من العلماء.

ثم إنه رحمه الله لم يلخص كيفية الإشكال فيها.

وأنا أقول وجه الإشكال: أن تقدير الآية: ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة ﴾ ، التي هي الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم إنه لم يذكر منفكون عماذا لكنه معلوم، إذ المراد هو الكفر الذي كانوا عليه.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٥٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٥٦٠