85.19
أي مستمر في كل الأمم، وتقدم في سورة الانشقاق قبلها
بل الذين كفروا يكذبون
[الانشقاق: 22].
فقال الكرماني، محمود بن حمزة بن نصر تاج القراء في كتابه أسرار التكرار في القرآن: إن المغايرة لمراعاة رؤوس الآي والفواصل، ولكن الظاهر من السياق في الموضعين مراعاة السياق لا فواصل الآي، لأن في سورة الانشقاق الحديث مع المشركين
لتركبن طبقا عن طبق * فما لهم لا يؤمنون * وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون * بل الذين كفروا يكذبون
[الانشقاق: 19- 22].
وفي سورة البروج هنا ذكر الأمم من فرعون وثمود وأصحاب الأخدود والمشركين في مكة، ثم قال: ﴿ بل الذين كفروا في تكذيب ﴾ [البروج: 19]، فناسب هذا هنا، وناسب ذاك هناك. والله تعالى أعلم.
86 - سورة الطارق
86.1-3
أصل الطرق في اللغة: الدق، ومنه المطرقة، ولذا قالوا للآتي ليلا: طارق، لأنه يحتاج إلى طرق الباب.
وعليه قول امرئ القيس:
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع
فألهيتها عن ذي تمائم محول
أي جئتها ليلا، وقول الآخر:
ألم ترياني كلما جئت طارقا
وجدت بها طيبا وإن لم تطيب
وقول جرير:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا
وقت الزيارة فارجعي بسلام
وفي الحديث:
" أعوذ بك من شر طوارق الليل والنهار، إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن "
، فهو لفظ عم في كل ما يأتي شيئة المفاجئ، ولكأنه يأتي في حالة غير متوقعة، ولكنه هنا خص بما فسر به بعده قي قوله تعالى: ﴿ ومآ أدراك ما الطارق * النجم الثاقب ﴾ [الطارق: 2-3].
فقيل: ما يثقب الشياطين عند استراق السمع، كما تقدم في قوله تعالى:
فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا
[الجن: 9]، فيكون عاما في كل نجم.
وقيل: خاص، فقيل: زحل وقيل: المريخ، وقيل الثريا، لأنه إذا أطلق النجم عند العرب، كان مرادا به الثريا.
وتقدم هذا للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في أول سورة النجم.
وقيل: الثاقب المضيء، يثقب الظلام بضوئه، وعليه فهو للجنس عامة، لأن النجوم كلها مضيئة.
قال القرطبي، وقال سفيان: كل ما في القرآن وما أدراك فقد أخبره به، وكل شيء قال فيه: وما فيه يدريك، لم يخبره به.
والواقع أنه الغالب، فقد جاءت: " وما أدراك " ثلاث عشرة مرة، كلها أخبره إلا واحدة، وهي في الحاقة
ومآ أدراك ما الحاقة
[الحاقة: 3] وما عداها، فقد أخبره بها، وهي:
ومآ أدراك ما سقر * لا تبقي ولا تذر
[المدثر: 27-28].
وفي المرسلات
ومآ أدراك ما يوم الفصل
[المرسلات: 14].
وفي الانفطار:
ومآ أدراك ما يوم الدين
[الانفطار: 17]، إلى قوله
يوم لا تملك نفس لنفس شيئا
[الانفطار: 19].
وفي المطففين:
ومآ أدراك ما سجين كتاب مرقوم
[المطففين: 8-9].
وفي البلد:
ومآ أدراك ما العقبة فك رقبة
[البلد: 12-13].
وفي القدر:
ومآ أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر
[القدر: 2-3].
وفي القارعة:
ومآ أدراك ما القارعة
[القارعة: 3].
وأيضا:
فأمه هاوية * ومآ أدراك ما هيه * نار حامية
[القارعة: 9-10]، وفي هذه السورة ﴿ ومآ أدراك ما الطارق * النجم الثاقب ﴾ [الطارق: 2-3]، فكلها أخبره عنها إلا في الحاقة.
تنبيه
يلاحظ أنها كلها في قصار السور من الحاقة وما بعدها، أما ما يدريك، فقد جاءت ثلاث مرات فقط،
وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا
[الأحزاب: 63]، في الأحزاب،
وما يدريك لعل الساعة قريب
[الشورى: 17]، في الشورى،
وما يدريك لعله يزكى
[عبس: 3] في عبس وتولى، فلم يخبره فيبها صراحة، إلا أنه في الثالثة قد يكون أخبره لأنه قال ﴿ لعله يزكى ﴾ فهو وإن لم يصرح هل هو تزكى أم لا، إلا أن لعل من الله تعالى للتحقيق، كما هو معلوم.
تنبيه آخر
قال كثير من المفسرين: أقسم الله بالسماء، وبالنجم الطارق لعظم أمرها، وكبر خلقهما كما في قوله:
فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم لو تعلمون عظيم
[الواقعة: 75-76]، ولأنه أقسم بالنجم إذا هوى.