تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

21.112

قوله تعالى ﴿ قال رب احكم بالحق ﴾. قرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير حفص عن عاصم ﴿ قل رب ﴾ بضم القاف وسكون اللام بصيغة الأمر. وقرأه حفص وحده ﴿ قال ﴾ بفتح القاف واللام بينهما ألف بصيغة الماضي. وقراءة الجمهور تدل على أنه صلى الله عليه وسلم أمر أن يقول ذلك. وقراءة حفص تدل على أنه امتثل الأمر بالفعل. وما أمره أن يقوله هنا قاله نبي الله شعيب كما ذكره الله عنه في قوله

ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين

الأعراف 89. وقوله ﴿ افتح ﴾ أي احكم كما تقدم. وقوله ﴿ وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون ﴾ أي تصفونه بألسنتكم من أنواع الكذب بادعاء الشركاء والأولاد وغير ذلك. كما قال تعالى

وتصف ألسنتهم الكذب

النحل 62 الآية، وقال

ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب

النحل 166 الآية. وما قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية قاله يعقوب لما علم أن أولاده فعلوا بأخيهم يوسف شيئا غير ما أخبروه به. وذلك في قوله

قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون

يوسف 18 والمستعان المطلوب منه العون. والعلم عند الله تعالى.

22 - سورة الحج

22.1-2

أمر جل وعلا في أول هذه السورة الكريمة الناس بتقواه جل وعلا، بامتثال أمره، واجتناب نهيه، وبين لهم أن زلزلة الساعة شيء عظيم، تذهل بسببه المراضع عن أولادها، وتضع بسببه الحوامل أحمالها، من شدة الهول والفزع، وأن الناس يرون فيه كأنهم سكارى من شدة الخوف، وما هم بسكارى من شرب الخمر، ولكن عذابه شديد. وما ذكره تعالى هنا من الأمر بالتقوى، وذكره في مواضع كثيرة جدا من كتابه، كقوله في أول سورة النساء

يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة

النساء 1 إلى قوله

واتقوا الله الذي تسآءلون به والأرحام

النساء 1 الآية والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا. وما بينه هنا من شدة أهوال الساعة، وعظم زلزلتها، بينه في غير هذا الموضع كقوله تعالى

إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها وقال الإنسان ما لها يومئذ تحدث أخبارها

الزلزلة 1-4 وقوله تعالى

وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة

الحاقة 14 وقوله تعالى

يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة قلوب يومئذ واجفة أبصارها خاشعة

النازعات 6-9 وقوله تعالى

ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة

الأعراف 187 إلى غير ذلك من الآيات الدالة على عظم هول الساعة. وقوله في هذه الآية الكريمة ﴿ اتقوا ربكم ﴾ قد أوضحنا فيما مضى معنى التقوى بشواهده العربية، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. والزلزلة شدة التحريك والإزعاج، ومضاعفة زليل الشيء عن مقره ومركزه أي تكرير انحرافه وتزحزحه عن موضعه، لأن الأرض إذا حركت حركة شديدة تزلزل كل شيء عليها زلزلة قوية. وقوله ﴿ يوم ترونها ﴾ منصوب بتذهل، والضمير عائد إلى الزلزلة. والرؤية بصرية، لأنهم يرون زلزلة الأشياء بأبصارهم، وهذا هو الظاهر، وقيل إنها من رأى العلمية. وقوله ﴿ تذهل كل مرضعة ﴾ أي بسبب تلك الزلزلة، والذهول الذهاب عن الأمر مع دهشة، ومنه قول عبدالله بن رواحة رضي الله عنه

ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله

وقال قطرب ذهل عن الأمر اشتغل عنه. وقيل ذهل عن الأمر غفل عنه لطرو شاغل، من هم أو مرض، أو نحو ذلك، والمعنى واحد، وبقية الأقوال راجعة إلى ما ذكرنا. وقوله ﴿ كل مرضعة ﴾ أي كل أنثى ترضع ولدها، ووجه قوله مرضعة، ولم يقل مرضع هو ما تقرر في علم العربية، من أن الأوصاف المختصة بالإناث إن أريد بها الفعل لحقها التاء، وإن أريد بها النسب جردت من التاء، فإن قلت هي مرضع تريد أنها ذات رضاع، جردته من التاء كقول امرئ القيس

فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعا فألهيتها عن ذي تمائم مغيل

وإن قلت هي مرضعة بمعنى، أنها تفعل الرضاع أي تلقم الولد الثدي، قلت هي مرضعة بالتاء ومنه قوله

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١١١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١١١٧