تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والبلاغ اسم مصدر، بمعنى التبليغ، وقد علم باستقراء اللغة العربية، أن الفعال يأتي كثيرا، بمعنى التفعيل، كبلغه بلاغا: أي تبليغا، وكلمه كلاما، أي تكليما، وطلقها طلاقا، وسرحها سراحا، وبينه بيانا.

كل ذلك بمعنى التفعيل، لأن فعل مضعفة العين، غير معتلة اللام ولا مهموزته قياس مصدرها التفعيل.

وما جاء منه على خلاف ذلك، يحفظ ولا يقاس عليه، كما هو معلوم في محله.

أما القول بأن المعنى وذلك اللبث بلاغ، فهو خلاف الظاهر كما ترى، والعلم عند الله تعالى.

47 - سورة محمد

47.1-3

قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: وصدوا عن سبيل الله، قال بعضهم: هو من الصدود، لأن صد في الآية لازمة.

وقال بعضهم: هو من الصد لأن صد في الآية متعدية.

وعليه فالمفعول محذوف أي صدوا غيرهم عن سبيل الله، أي عن الدخول في الإسلام.

وهذا القول الأخير هو الصواب، لأنه على القول بأن صد لازمة، فإن ذلك يكون تكرارا مع قوله ﴿ كفروا ﴾ لأن الكفر هو أعظم أنواع الصدود عن سبيل الله.

وأما على القول: بأن صد متعدية فلا تكرار لأن المعنى أنهم ضالون في أنفسهم، مضلون لغيرهم بصدهم إياهم عن سبيل الله، وقد قدمنا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى:

فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم

[النحل: 97] الآية، أن اللفظ إذا دار بين التأكيد والتأسيس وجب حمله على التأسيس، إلا بدليل يجب الرجوع إليه.

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ أضل أعمالهم ﴾ أي أبطل ثوابها، فما عمله الكافر من حسن في الدنيا، كقري الضيف، وبر الوالدين، وحمي الجار، وصلة الرحمن، والتنفيس عن المكروب، يبطل يوم القيامة، ويضمحل ويكون لا أثر له، كما قال تعالى:

وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء منثورا

[الفرقان: 23]، وهذا هو الصواب في معنى الآية.

وقيل: أضل أعمالهم أي أبطل كيدهم، الذي أرادوا أن يكيدوا به النبي صلى الله عليه وسلم.

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم ﴾ أي غفر لهم ذنوبهم وتجاوز لهم عن أعمالهم السيئة ﴿ وأصلح بالهم ﴾ أي أصلح لهم شأنهم وحالهم إصلاحا لا فساد معه، وما ذكره جل وعلا هنا في أول هذه السورة الكريمة، من أن يبطل أعمال الكافرين، ويبقي أعمال المؤمنين جاء موضحا في آيات كثيرة كقوله تعالى:

من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون

[هود: 15-16]. وقوله تعالى:

من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب

[الشورى: 20] وقوله تعالى:

أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا

[الفرقان: 24].

وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا مع بعض الأحاديث الصحيحة فيه، مع زيادة إيضاح مهمة في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى:

ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا

[الإسراء: 19]. وفي سورة النحل في الكلام على قوله تعالى:

من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن

[النحل: 97] الآية. وذكرنا طرفا منه في سورة الأحقاف في الكلام على قوله تعالى:

أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها

[الأحقاف: 20] الآية.

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ أضل أعمالهم ﴾ أصله من الضلال بمعنى الغيبة، والاضمحلال. لا من الضالة كما زعمه الزمخشري فهو كقوله:

وضل عنهم ما كانوا يفترون

[الأنعام: 24].

وقد قدمنا معاني الضلال في القرآن واللغة، في سورة الشعراء في الكلام على قوله:

قال فعلتهآ إذا وأنا من الضالين

[الشعراء: 20]، وفي آخر الكهف في الكلام على قوله تعالى:

الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٠١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٠١٥