2.190
قوله تعالى ﴿ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ﴾. فيه ثلاثة أوجه للعلماء الأول أن المراد بالذين يقاتلونكم من شأنهم القتال، أي دون غيرهم، كالنساء، والصبيان، والشيوخ الفانية، وأصحاب الصوامع. الثاني أنها منسوخة بآيات السيف الدالة على قتالهم مطلقا. الثالث أن المراد بالآية تهييج المسلمين وتحريضهم على قتال الكفار، فكأنه يقول لهم هؤلاء الذين أمرتكم بقتالهم هم خصومكم، وأعداؤكم الذين يقاتلونكم، وأظهرها الأول. وعلى القول الثالث فالمعنى يبينه ويشهد له قوله تعالى
وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة
التوبة 36.
2.196
قوله تعالى ﴿ فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ﴾. اختلف العلماء في المراد بالإحصار في هذه الآية الكريمة فقال قوم هو صد العدو المحرم ومنعه إياه من الطواف بالبيت. وقال قوم المراد به حبس المحرم بسبب مرض ونحوه. وقال قوم المراد به ما يشمل الجميع من عدو ومرض ونحو ذلك. ولكن قوله تعالى بعد هذا ﴿ فإذآ أمنتم ﴾ ، يشير إلى أن المراد بالإحصار هنا صد العدو للمحرم. لأن الأمن إذا أطلق في لغة العرب انصرف إلى الأمن من الخوف لا إلى الشفاء من المرض، ونحو ذلك، ويؤيده أنه لم يذكر الشيء الذي منه الأمن، فدل على أن المراد به ما تقدم من الإحصار، فثبت أنه الخوف من العدو، فما أجاب به بعض العلماء من أن الأمن يطلق على الأمن من المرض، كما في حديث
" من سبق العاطس بالحمد أمن من الشوص، واللوص، والعلوص "
، أخرجه ابن ماجه في سننه فهو ظاهر السقوط، لأن الأمن فيه مقيد بكونه من المرض، فلو أطلق لانصرف إلى الأمن من الخوف. وقد يجاب أيضا بأنه يخاف وقوع المذكور من الشوص الذي هو وجع السن، واللوص الذي هو وجع الأذن، والعلوص الذي هو وجع البطن. لأنه قبل وقوعها به يطلق عليه أنه خائف من وقوعها. فإذا أمن من وقوعها به فقد أمن من خوف. أما لو كانت وقعت به بالفعل فلا يحسن أن يقال أمن منها. لأن الخوف في لغة العرب هو الغم من أمر مستقبل، لا واقع بالفعل، فدل هذا على أن زعم إمكان إطلاق الأمن على الشفاء من المرض خلاف الظاهر. وحاصل تحرير هذه المسالة في مبحثين الأول في معنى الإحصار في اللغة العربية. الثاني في تحقيق المراد به في الآية الكريمة وأقوال العلماء وأدلتها في ذلك، ونحن نبين ذلك كله إن شاء الله تعالى. اعلم أن أكثر علماء العربية يقولون إن الإحصار هو ما كان عن مرض أو نحوه، قالوا تقول العرب أحصره المرض يحصره بضم الياء وكسر الصاد إحصارا، وأما ما كان من العدو فهو الحصر، تقول العرب حصره العدو يحصره بفتح الياء وضم الصاد حصرا بفتح فسكون، ومن إطلاق الحصر في القرآن على ما كان من العدو قوله تعالى
وخذوهم واحصروهم
التوبة 5 ومن إطلاق الإحصار على غير العدو كما ذكرنا عن علماء العربية. قوله تعالى
للفقرآء الذين أحصروا في سبيل الله
البقرة 273 الآية. وقول ابن ميادة
وما هجر ليلى أن تكون تباعدت عليك ولا أن أحصرتك شغول
وعكس بعض علماء العربية، فقال الإحصار من العدو، والحصر من المرض، قاله ابن فارس في المجمل، نقله عنه القرطبي. ونقل البغوي نحوه عن ثعلب.
وقال جماعة من علماء العربية إن الإحصار يستعمل في الجميع، وكذلك الحصر، وممن قال باستعمال الإحصار في الجميع الفراء، وممن قال بأن الحصر والإحصار يستعملان في الجميع أبو نصر القشيري. قال مقيده - عفا الله عنه - لا شك في جواز إطلاق الإحصار على ما كان من العدو كما سترى تحقيقه إن شاء الله، هذا حاصل كلام أهل العربية في معنى الإحصار. وأما المراد به في الآية الكريمة فقد اختلف فيه العلماء على ثلاثة أقوال الأول أن المراد به حصر العدو خاصة دون المرض ونحوه، وهذا قول ابن عباس وابن عمر وأنس وابن الزبير، وهو قول سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير - رضي الله عنهم - وبه قال مروان وإسحاق، وهو الرواية المشهورة الصحيحة عن أحمد بن حنبل، وهو مذهب مالك والشافعي رحمهم الله. وعلى هذا القول أن المراد بالإحصار ما كان من العدو خاصة، فمن أحصر بمرض ونحوه لا يجوز له التحلل حتى يبرأ من مرضه، ويطوف بالبيت ويسعى، فيكون متحللا بعمرة، وحجة هذا القول متركبة من أمرين الأول أن الآية الكريمة التي هي قوله تعالى ﴿ فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ﴾ البقرة 196 نزلت في صد المشركين النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم محرمون بعمرة عام الحديبية عام ست بإطباق العلماء. وقد تقرر في الأصول أن صورة سبب النزول قطعية الدخول فلا يمكن إخراجها بمخصص، فشمول الآية الكريمة لإحصار العدو، الذي هو سبب نزولها، قطعي، فلا يمكن إخراجه من الآية بوجه. وروي عن مالك - رحمه الله - أن صورة سبب النزول ظنية الدخول لا قطعيته، وهو خلاف قول الجمهور وإليه اشار في مراقي السعود بقوله