تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

79.46

العشية: ما بين الزوال إلى الغروب، والضحى: ما بين طلوع الشمس إلى الزوال، وهذا تحديد بنصف نهار.

وقد جاء التحديد بساعة من نهار.

وجاء:

يوما أو بعض يوم

[الكهف: 19].

وجاء:

إن لبثتم إلا عشرا

[طه: 103].

وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، بيان ذلك عند قوله تعالى في سورة يونس:

ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار

[يونس: 45]، وأحال على دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، وسيطبع إن شاء الله مع هذه التتمة.

80 - سورة عبس

80.1-2

سبب نزول هذه السورة باتفاق المفسرين، أنه صلى الله عليه وسلم كان مشغولا بدعوة صناديد قريش، فأتاه ابن أم مكتوم، وهو رجل أعمى وقال: " أقرئني يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلمني مما علمك الله " وكرر ذلك، فلم يتفق ذلك وما هو مشتغل به صلى الله عليه وسلم، وما يرجوه مما هو أعظم، فعبس وتولى عنه منصرفا، لما هو مشتغل به.

قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في دفع إيهام الاضطراب على قوله تعالى: ﴿ أن جآءه الأعمى ﴾ ما نصه: عبر تعالى عن هذا الصحابي الجليل الذي هو عبد الله بن أم مكتوم، بلقب يكرهه الناس، مع أنه قال:

ولا تنابزوا بالألقاب

[الحجرات: 11].

والجواب: هو ما نبه عليه بعض العلماء: من أن السر في التعبير عنه بلفظ الأعمى، للإشعار بعذره في الإقدام على قطع كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، لأنه لو كان يرى ما هو مشتغل به مع صناديد الكفار لما قطع كلامه اه منه بلفظه.

وقال الفخر الرازي: إنه وإن كان أعمى لا يرى، فإنه يسمع وبسماعه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإقدامه على مقاطعته يكون مرتكبا معصية، فكيف يعاتب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فكلامه هذا يشعر بأنه إن كان معذورا لعدم الرؤية، فليس معذورا لإمكان سماعه، ولكن ذكره بوصفه ليوجب العطف عليه والرفق به.

والظاهر والله تعالى أعلم: أن كلام الرازي ليس بعيدا عما ذكره الشيخ، لأن معناه أنه عاقبه لعدم رفقه به. ومراعاة حالة عماه.

فعليه، يكون ذكره بهذا الوصف من باب التعريض بغيره من أولئك الصناديد وسادة القوم، وكأنه يقول لهم:

فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور

[الحج: 46]، فهذا كفيف البصر، ولكن وقاد البصيرة أبصر الحق وآمن، وجاء مع عماه يسعى طلبا للمزيد، وأنتم تغلقت قلوبكم وعميت بصائركم فلم تدركوا الحقيقة ولم تبصروا نور الإيمان، كما في الآية الكريمة: ﴿ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ﴾ والعلم عند الله تعالى.

تنبيه

مما اتفق عليه المحدثون: جواز ذكر مثل هذه الأوصاف إذا كانت للتعريف لا للتنقيص، فقالوا: الأعمى والأعور والأعرج. وفي الحرف قالوا: الخراز، والخرقى، ونحوذ ذلك، وهذا ما فيه مصلحة لترجمة الرجال في السند.

ومثله: ليس تنابزا بالألقاب في هذا الفن. والله تعالى أعلم.

ومثله: إذا كان للتعريف في غرض سليم دون تنقص كما قدمنا.

وقوله تعالى: ﴿ عبس وتولى ﴾ ، فإن فيه مثل ما في قوله تعالى: ﴿ أن جآءه الأعمى ﴾ لأن العبوسة أمر لا يتفق في الظاهر مع قوله تعالى في حقه صلى الله عليه وسلم،

وإنك لعلى خلق عظيم

[القلم: 4] وقوله:

واخفض جناحك للمؤمنين

[الحجر: 88]. ولم أقف على جواب لذلك، ولم يتعرض له الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في دفع إيهام الاضطراب.

والذي يظهر والله تعالى أعلم، أنه لا يتأتى معه، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يتكلم بما يسيء إلى هذا الصحابي في نفسه بشيء يسمعه فيزعجه، كل ما كان منه صلى الله عليه وسلم إنما هو تقطيب الجبين، وهذه حركة مرئية لا مسموعة.

والحال: أن هذا أعملى لا يرى تلك الحركة، فكأنه لم يلق إساءة منه صلى الله عليه وسلم.

ثم إنه صلى الله عليه وسلم مطمئن له لما هو عليه من خير في دينه. كما قال في حنين: وأكل أقواما إلى ما في قلوبهم، أي لما أعطى المؤلفة قلوبهم، ولم يعط الأنصار على ما هو معروف في القصة، فلم يعاتبه الله على ذلك, ورضي الأنصار وبكوا فرحا ورضا.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٤٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٤٥١