تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

37 - سورة الصافات

37.1-5

أكثر أهل العلم على أن المراد بالصافات هنا، والزاجرات، والتاليات: جماعات الملائكة، وقد جاء وصف الملائكة بأنهم صافون، وذلك في قوله تعالى عنهم:

وإنا لنحن الصآفون وإنا لنحن المسبحون

[الصافات: 165166] ومعنى كونهم صافين: أن يكونوا صفوفا متراصين بعضهم جنب بعض في طاعة الله تعالى، من صلاة وغيرها. وقيل: لأنهم يصفون أجنحتهم في السماء، ينتظرون أمر الله، ويؤيد القول الأول حديث حذيفة الذي قدمنا في أول سورة المائدة في صحيح مسلم: وهو قوله صلى الله عليه وسلم

" فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت لنا تربتها طهورا إذا لم نجد الماء "

، وهو دليل صحيح على أن الملائكة يصفون كصفوف المصلين في صلاتهم، وقد جاء في بعض الآيات ما يدل على أنهم يلقون الذكر على الأنبياء، لأجل الإعذار والإنذار به كقوله تعالى:

فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا

[المرسلات: 56]، فقوله: فالملقيات ذكرا كقوله هنا: فالتاليات ذكرا، لأن الذكر الذي تتلوه تلقيه إلى الأنبياء كما كان جبريل ينزل بالوحي، على نبينا وغيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه على الجميع، وقوله: عذرا أو نذرا: أي لأجل الإعذار والإنذار، أي بذلك الذكر الذي تتلوه وتلقيه، والإعذار: قطع العذر بالتبليغ.

والإنذار قد قدمنا إيضاحه وبينا أنواعه في أول سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى:

المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين

[الأعراف: 12] وقوله في هذه الآية: ﴿ فالزاجرات زجرا ﴾ الملائكة تزجر السحاب، وقيل تزجر الخلائق عن معاص الله بالذكر الذي تتلوه، وتلقيه إلى الأنبياء.

وممن قال بأن الصافات والزاجرات والتاليات في أول هذه السورة الكريمة هي جماعات الملائكة: ابن عباس، وابن مسعود، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد وقتادة؛ كما قاله القرطبي وابن كثير وغيرهما، وزاد ابن كثير وغيره ممن قال به: مسروقا والسدي والربيع بن أنس، وقد قدمنا أنه قول أكثر أهل العلم.

وقال بعض أهل العلم: الصافات في الآية الطير تصف أجنحتها في الهواء. واستأنس لذلك بقوله تعالى:

أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن

[الملك: 19] الآية. وقوله تعالى:

ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صآفات كل قد علم صلاته وتسبيحه

[النور: 41] الآية.

وقال بعض العلماء: المراد بالصافات جماعات المسلمين يصفون في مساجدهم للصلاة، ويصفون في غزوهم عند لقاء العدو، كما قال تعالى:

إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص

[الصف: 4].

وقال بعض العلماء أيضا المراد بالزاجرات زجرا، والتاليات ذكرا: جماعات العلماء العاملين يلقون آيات الله على الناس، ويزجرون عن معاص الله بآياته، ومواعظه التي أنزلها على رسله.

وقال بعضهم: المراد بالزاجرات زجرا جماعات الغزاة يزجرون الخيل، لتسرع إلى الأعداء، والقول الأول أظهر وأكثر قائلا، ووجه توكيده تعالى قوله: ﴿ إن إلهكم لواحد ﴾ بهذه الأقسام، و " بإن " و " اللام " هو أن الكفار أنكروا كون الإله واحدا إنكارا شديدا وتعجبوا من ذلك تعجبا شديدا، كما قال تعالى عنهم:

أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب

، [ص: 5] ولما قال تعالى: ﴿ إن إلهكم لواحد ﴾ أقام الدليل على ذلك بقوله: ﴿ رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق ﴾ ، فكونه خالق السماوات والأرض الذي جعل فيها المشارق والمغارب، برهان قاطع على أنه المعبود وحده.

وهذا البرهان القاطع الذي أقامه هنا على أنه هو الإله المعبود وحده، أقامه على ذلك أيضا في غير هذا الموضع كقوله تعالى في سورة البقرة:

وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٨٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٨٠٤