تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

114 - سورة الناس

114.1-3

تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، الإحالة على هذه السورة عند كلامه على قوله تعالى:

ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير

[هود: 2]، في سورة هود، فقال على تلك الآية: فيها الدلالة الواضحة على أن الحكمة العظمى التي أنزل القرآن من أجلها هي أن يعبد الله تعالى وحده ولا يشرك في عبادته شيء.

وساق الآيات المماثلة لها ثم قال: وقد أشرنا إلى هذا البحث في سورة الفاتحة، وسنقضي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في سورة الناس، لتكون خاتمة هذا الكتاب المبارك حسنى اه.

وإن في هذه الإحالة منه رحمة الله تعالى علينا وعليه لتنبها على المعاني التي اشتملتها هذه السورة الكريمة، وتوجيها لمراعاة تلك الخاتمة.

كما أن في تلك الإحالة تحميل مسؤولية الاستقصاء حيث لم يكتف بما قدمه في سورة الفاتحة، ولا فيما قدمه في سورة هود، وجعل الاستقصاء في هذه السورة، ومعنى الاستقصاء: الاستيعاب إلى أقصى حد.

وما أظن أحدا يستطيع استقصاء ما يريده غيره، ولا سيما ما كان يريده الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه وما يستطيعه هو.

ولكن على ما قدمنا في البداية: أنه جهد المقل ووسع الطاقة. فنستعين الله ونستهديه مسترشدين بما قدمه الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في سورتي الفاتحة وهود، ثم نورد وجهة نظر في السورتين معا الفلق والناس، ثم منهما وفي نسق المصحف الشريف، آمل من الله تعالى وراج توفيقه ومعونته.

أما الإحالة فالذي يظهر أن موجبها هو أنه في هذه السورة الكريمة اجتمعت ثلاث صفات لله تعالى من صفات العظمة والكمال: رب الناس، ملك الناس، إله الناس، ولكأنها لأول وهلة تشير إلى الرب الملك هو الإله الحق الذي يستحق أن يعبد وحده.

ولعله ما يرشد إليه مضمون سورة الإخلاص قبلها: هو الله أحد، الله الصمد، وهذا هو منطق العقل والقول الحق، لأن مقتضى الملك يستلزم العبودية، والعبودية تستلزم التأليه والتوحيد في الألوهية، لأن العبد المملوك تجب عليه الطاعة والسمع لمالكه بمجرد الملك، وإن كان مالكه عبدا مثله، فكيف بالعبد المملوك لربه وإلهه، وكيف بالمالك الإله الواحد الأحد الفرد الصمد؟

وقد جاءت تلك الصفات الثلاث: الرب الملك الإله، في أول افتتاحية أول المصحف:

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين

[الفاتحة: 2-4]، والقراءة الأخرى ﴿ ملك يوم الدين ﴾.

وفي أول سورة البقرة اول نداء يوجه للناس بعبادة الله تعالى وحده، لأنه ربهم مع بيان الموجبات لذلك في قوله تعالى:

ياأيها الناس اعبدوا ربكم

[البقرة: 21].

ثم بين الموجب لذلك بقوله:

الذي خلقكم والذين من قبلكم

[البقرة: 21].

وقوله:

الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بنآء وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم

[البقرة: 22].

وهذا كله من آثار الربوبية واستحقاقه تعالى على خلقه العبادة، ثم بين موجب إفراده وحده بذلك بقوله:

فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون

[البقرة:22].

أي كما أنه لا ند له في الخلق ولا في الرزق ولا في شيء مما ذكر، فلا تجعلوا لله أندادا أيضا في عبادة، وأنتم تعلمون حقيقة ذلك.

وعبادته تعالى وحده ونفى الأنداد، هو ما قال عنه الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه: معنى لا إله إلا الله نفيا وإثباتا.

فالإثبات في قوله تعالى:

واعبدوا الله

[النساء: 36].

والنفي في قوله:

فلا تجعلوا لله أندادا

[البقرة: 22].

وكون الربوبية تستوجب العبادة، جاء صريحا في قوله تعالى:

فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف

[قريش: 3-4].

فالموصول وصلته في معنى التعليل لموجب العبادة، وسيأتي لذلك زيادة إيضاح إن شاء الله تعالى في نهاية السورة.

وقد جاء هنا لفظ ﴿ برب الناس ﴾ ، بإضافة الرب إلى الناس، بما يشعر بالاختصاص، مع أنه سبحانه رب العالمين ورب كل شيء، كما في أول الفاتحة:

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٦٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٦٢٤