5 - سورة المائدة
5.1
قوله تعالى ﴿ أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم ﴾. لم يبين هنا ما هذا الذي يتلى عليهم المستثنى من حلية بهيمة الأنعام. ولكنه بينه بقوله
حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير
المائدة 3، إلى قوله
وما ذبح على النصب
المائدة 3، فالمذكورات في هذه الآية الكريمة كالموقوذة والمتردية، وإن كانت من الأنعام. فإنها تحرم بهذه العوارض. والتحقيق أن الأنعام هي الأزواج الثمانية، كما قدمنا في سورة آل عمران، وقد استدل ابن عمر، وابن عباس، وغير واحد من العلماء بهذه الآية على إباحة أكل الجنين إذا ذكيت أمه ووجد في بطنها ميتا. وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم
" أن ذكاة أمه ذكاة له "
كما أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث أبي سعيد. وقال الترمذي إنه حسن، ورواه أبو داود عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم.
5.2
قوله تعالى ﴿ وإذا حللتم فاصطادوا ﴾. يعني إن شئتم، فلا يدل هذا الأمر على إيجاب الاصطياد عند الإحلال، ويدل له الاستقرار في القرآن، فإن كل شيء كان جائزا، ثم حرم لموجب، ثم أمر به بعد زوال ذلك الموجب، فإن ذلك الأمر كله في القرآن للجواز نحو قوله هنا ﴿ وإذا حللتم فاصطادوا ﴾ وقوله
فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض
الجمعة 10، وقوله
فالآن باشروهن
البقرة 187 الآية، وقوله
فإذا تطهرن فأتوهن
البقرة 222 الآية. ولا ينقض هذا بقوله تعالى
فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين
التوبة 5 الآية، لأن قتلهم كان واجبا قبل تحريمه العارض بسبب الأشهر الأربعة سواء قلنا إنها أشهر الإمهال المذكورة في قوله
فسيحوا في الأرض أربعة أشهر
التوبة 2، أو قلنا إنها الأشهر الحرم المذكورة في قوله تعالى
منهآ أربعة حرم
التوبة 36. وبهذا تعلم أن التحقيق الذي دل عليه الاستقراء التام في القرآن أن الأمر بالشيء بعد تحريمه يدل على رجوعه إلى ما كان عليه قبل التحريم من إباحة أو وجوب، فالصيد قبل الإحرام كان جائزا فمنع للإحرام، ثم أمر به بعد الإحلال بقوله ﴿ وإذا حللتم فاصطادوا ﴾ فيرجع لما كان عليه قبل التحريم، وهو الجواز، وقتل المشركين كان واجبا قبل دخول الأشهر الحرم، فمنع من أجلها، ثم أمر به بعد انسلاخها في قوله ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ الآية، فيرجع لما كان عليه قبل التحريم، وهو الوجوب. وهذا هو الحق في هذه المسألة الأصولية. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية وهذا أمر بعد الحظر، والصحيح الذي يثبت على السبر أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي، فإن كان واجبا رده، واجبا، وإن كان مستحبا فمستحب، أو مباحا فمباح. ومن قال إنه للوجوب ينتقض عليه بآيات كثيرة. ومن قال إنه للإباحة يرد عليه بآيات أخرى، والذي ينتظم الأدلة كلها هذا الذي ذكرناه كما اختاره بعض علماء الأصول، والله أعلم، انتهى منه بلفظه. وفي هذه المسالة أقوال أخر عقدها في مراقي السعود بقوله
والأمر للوجوب بعد الحظل وبعد سؤل قد أتى للأصل أو يقتضي إباحة للأغلب إذا تعلق بمثل السبب إلا فذي المذهب والكثير له إلى إيجابه مصير
وقد تقرر في الأصول أن الاستقراء التام حجة بلا خلاف، وغير التام المعروف. " بإلحاق الفرد بالأغلب " حجة ظنية، كما عقده في مراقي السعود في كتاب الاستدلال بقوله
ومنه الاستقراء بالجزئي على ثبوت الحكم للكلى
فإن يعم غير ذي الشقاق فهو حجة بالاتفاق
وهو في البعض إلى الظن انتسب يسمى لحقوق الفرد بالذي غلب
فإذا عرفت ذلك، وعرفت أن الاستقراء الام في القرآن دل على ما اخترنا، واختاره ابن كثير، وهو قول الزركشي من أن الأمر بعد الحظر يدل على رجوع الحكم إلى ما كان عليه قبل التحريم، عرفت أن ذلك هو الحق، والعلم عند الله.
قوله تعالى ﴿ ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ﴾ الآية. نهى الله المسلمين في هذه الآية الكريمة أن يحملهم بغض الكفار لأجل أن صدوهم عن المسجد الحرام في عمرة الحديبية أن يعتدوا على المشركين بما لا يحل لهم شرعا. كما روى ابن أبي حاتم في سبب نزول هذه الآية عن زيد بن أسلم، قال " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالحديبية حين صدهم المشركون عن البيت، وقد اشتد ذلك عليهم، فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة، فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نصد هؤلاء كما صدنا أصحابهم، فأنزل الله هذه الآية " أه، بلفظه من ابن كثير. ويدل لهذا قوله قبل هذا ﴿ ولا آمين البيت الحرام ﴾ المائدة 2، وصرح بمثل هذه الآية في قوله