تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2.27

قوله تعالى ﴿ ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل ﴾. لم يبين هنا هذا الذي أمر به أن يوصل، وقد أشار إلى أن من الأرحام بقوله

فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم

محمد 22. وأشار في موضع آخر إلى أن منه الإيمان بجميع الرسل، فلا يجوز قطع بعضهم عن بعض في ذلك بأن يؤمن ببعضهم دون بعضهم الآخر، وذلك في قوله

ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا

النساء 150-151.

2.29

قوله تعالى ﴿ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السمآء ﴾. ظاهره أن ما في الأرض جميعا خلق بالفعل قبل السماء، ولكنه بين في موضع آخر أن المراد بخلقه قبل السماء، تقديره. والعرب تسمي التقدير خلقا كقول زهير

ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري

وذلك في قوله

وقدر فيهآ أقواتها

فصلت 10، ثم قال ﴿ ثم استوى إلى السمآء ﴾ الآية.

2.30

قوله تعالى ﴿ وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ الآية. في قوله ﴿ خليفة ﴾ وجهان من التفسير للعلماء أحدهما أن المراد بالخليفة أبونا آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. لأنه خليفة الله في أرضه في تنفيذ أوامره. وقيل لأنه صار خلفا من الجن الذين كانوا يسكنون الأرض قبله. وعليه فالخليفة فعيلة بمعنى فاعل. وقيل لأنه إذا مات يخلفه من بعده، وعليه فهو من فعيلة بمعنى مفعول. وكون الخليفة هو آدم هو الظاهر المتبادر من سياق الآية. الثاني أن قوله خليفة مفرد أريد به الجمع، أي خلائف، وهو اختيار ابن كثير. والمفرد إن كان اسم جنس يكثر في كلام العرب إطلاقه مرادا به الجمع كقوله تعالى

إن المتقين في جنات ونهر

القمر 54 يعني وأنهار، بدليل قوله

فيهآ أنهار من مآء غير آسن

محمد 15 الآية، وقوله

واجعلنا للمتقين إماما

الفرقان 74، وقوله

فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا

النساء 4. ونظيره من كلام العرب قول عقيل بن علفة المري

وكان بنو فزارة شر عم وكنت لهم كشر بني الأخينا

وقول العباس بن مرداس السلمي

فقلنا اسلموا إنا أخوكم وقد سلمت من الإحن الصدور

وأنشد له سيبويه قول علقمة بن عبدة التميمي

بها جيف الحسرى فأما عظامها فبيض وأما جلدها فصليب

وقول الآخر

كلوا في بعض بطنكم تعفو فإن زمانكم زمن خميص

وإذا كانت هذه الآية الكريمة تحتمل الوجهين المذكورين. فاعلم أنه قد دلت آيات أخر على الوجه الثاني، وهو أن المراد بالخليفة الخلائف من آدم وبنيه لا آدم نفسه وحده، كقوله تعالى ﴿ قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء ﴾ الآية. ومعلوم أن آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ليس ممن يفسد فيها ولا ممن يسفك الدماء، وكقوله

هو الذي جعلكم خلائف في الأرض

فاطر 39 الآية، وقوله

وهو الذي جعلكم خلائف الأرض

الأنعام 165 الآية، وقوله

ويجعلكم حلفآء

النمل 62 الآية. ونحو ذلك من الآيات. ويمكن الجواب عن هذا بأن المراد بالخليفة آدم، وأن الله أعلم الملائكة أنه يكون من ذريته من يفعل ذلك الفساد وسفك الدماء، فقالوا ما قالوا. وأن المراد بخلافة آدم الخلافة الشرعية، وبخلافة ذريته أعم من ذلك، وهو أنهم يذهب منهم قرن ويخلفه قرن آخر. تنبيه قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة. يسمع له ويطاع. لتجتمع به الكلمة وتنفذ به أحكام الخليفة، ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة، ولا بين الأئمة إلا ما روي عن الأصم حيث كان عن الشريعة أصم إلى أن قال ودليلنا قول الله تعالى ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ ، وقوله تعالى

يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض

ص 26، وقال

وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض

النور 55، أي يجعل منهم خلفاء إلى غير ذلك من الآي. وأجمعت الصحابة على تقديم الصديق بعد اختلاف وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بنى ساعدة في التعيين، حتى قالت الأنصار منا أمير ومنكم أمير، فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك. وقالوا لهم إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش، ورووا لهم الخبر في ذلك فرجعوا وأطاعوا لقريش. فلو كان فرض الإمامة غير واجب لا في قريش ولا في غيرهم لما ساغت هذه المناظرة والمحاورة عليها. ولقال قائل إنها غير واجبة لا في قريش ولا في غيرهم. فما لتنازعكم وجه، ولا فائدة في أمر ليس بواجب، ثم إن الصديق رضي الله عنه لما حضرته الوفاة عهد إلى عمر في الإمامة، ولم يقل له أحد هذا أمر غير واجب علينا ولا عليك. فدل على وجوبها وأنها ركن من أركان الدين الذي به قوام المسلمين والحمد لله رب العالمين. انتهى من القرطبي. قال مقيده عفا الله عنه من الواضح المعلوم من ضرورة الدين أن المسلمين يجب عليهم نصب إمام تجتمع به الكلمة وتنفذ به أحكام الله في أرضه. ولم يخالف في هذا إلا من لا يعتد به كأبى بكر الأصم المعتزلي، الذي تقدم في كلام القرطبي، وكضرار، وهشام القوطي ونحوهم. وأكثر العلماء على أن وجوب الإمامة الكبرى بطريق الشرع كما دلت عليه الآية المتقدمة وأشباهها وإجماع الصحابة رضي الله عنهم. ولأن الله تعالى قد يزع بالسلطان ما لا يزعه بالقرآن، كما قال تعالى

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٢