12.111
قوله تعالى ﴿ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ﴾. ذكر الله جل وعلا في هذه الآية أن في أخبار المرسلين مع أممهم، وكيف نجى الله المؤمنين وأهلك الكافرين عبرة لأولي الألباب، أي عظة لأهل العقول. وبين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله في قوم لوط
وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون
الصافات 137 - 138، كما تقدمت الإشارة إليه مرارا، والعلم عند الله تعالى.
13 - سورة الرعد
13.2
قوله تعالى ﴿ الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش ﴾. ظاهر هذه الآية الكريمة قد يفهم منه أن السماء مرفوعة على عمد، ولكننا لا نراها، ونظير هذه الآية قوله أيضا في أول سورة " لقمان "
خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم
لقمان 10. واختلف العلماء في قوله ﴿ ترونها ﴾ على قولين أحدهما أن لها عمدا ولكننا لا نراها، كما يشير إليه ظاهر الآية، وممن روى عنه هذا القول ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وغير واحد، كما قاله ابن كثير. وروي عن قتادة أيضا - أن المعنى أنها مرفوعة بلا عمد اصلا، وهو قول إياس بن معاوية، وهذا القول يدل عليه تصريحه تعالى في سورة " الحج " أنه هو الذي يمسكها أن تقع على الأرض في قوله
ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه
الحج 65. قال ابن كثير فعلى هذا يكون قوله ﴿ ترونها ﴾ تأكيدا لنفي ذلك، أي هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها كذلك، وهذا هو الأكمل في القدرة اه. قال مقيده - عفا الله عنه الظاهر أن هذا القول من قبيل السالبة لا تقتضي وجود الموضوع، والمراد أن المقصود نفى اتصاف المحكوم عليه بالمحكوم به، وذلك صادق بصورتين الأولى أن يكون المحكوم عليه موجودا، ولكن المحكوم به منتف عنه، كقولك ليس الإنسان بحجر، فالإنسان موجود والحجرية منتفية عنه. الثانية أن يكون المحكوم عليه غير موجود فيعلم منه انتفاء الحكم عليه بذلك الأمر الموجودي، وهذا النوع من أساليب اللغة العربية، كما أوضحناه في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، ومثاله في اللغة قول امرىء القيس
على لا حب لا يهتدى بمناره إذا سافه العود النباطي جرجرا
أي لا منار له أصلا حتى يهتدي له، وقوله
لا تفزع الأرنب أهوالها ولا ترى الضب بها ينجحر
يعني لا أرانب فيها ولا ضباب. وعلى هذا فقوله ﴿ بغير عمد ترونها ﴾ أي لا عمد لها حتى تروها، والعمد جمع عمود على غير قياس، ومنه قول نابغة ذبيان
وخسيس الجن إني قد أذنت لهم يبنون تدمر بالصفاح والعمد
والصفاح - بالضم والتشديد - الحجر العريض.