تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

18 - سورة الكهف

18.1-5

علم الله جل وعلا عباده في أول هذه السورة الكريمة أن يحمدوه على أعظم نعمة أنعمها عليهم. وهي إنزاله على نبينا صلى الله عليه وسلم هذا القرآن العظيم، الذي لا اعوجاج فيه. بل هو في كمال الاستقامة. أخرجهم به من الظلمات إلى النور. وبين لهم فيه من العقائد، والحلال والحرام، وأسباب دخول الجنة والنار، وحذرهم فيه من كل ما يضرهم، وحضهم فيه على كل ما ينفعهم، فهو النعمة العظمى على الخلق، ولذا علمهم ربهم كيف يحمدونه على هذه النعمة الكبرى بقوله ﴿ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ﴾ الآية. وما أشار له هنا من عظيم الإنعام والامتنان على خلقه بإنزال هذا القرآن العظيم، منذرا من لم يعمل به، ومبشرا من عمل به - ذكره جل وعلا في مواضع كثيرة، كقوله

يا أيها الناس قد جآءكم برهان من ربكم وأنزلنآ إليكم نورا مبينا فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما

النساء 174-175، وقوله

أولم يكفهم أنآ أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون

العنكبوت 51، وقوله

إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين

النمل 76-77، وقوله

وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة للمؤمنين

الإسراء 82، وقوله

قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء

فصلت 44 الآية، وقوله تعالى

إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين

الأنبياء 106-107، وقوله

وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك

القصص 86 الآية، وقوله

ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير

فاطر 32. وهو تصريح منه جل وعلا بأن إيراث هذا الكتاب فضل كبير والآيات بمثل هذا كثيرة جدا. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ ولم يجعل له عوجا ﴾ أي لم يجعل في القرآن عوجا. أي لا اعوجاج فيه ألبته، لا من جهة الألفاظ، ولا من جهة المعاني. أخباره كلها صدق، وأحكامه عدل، سالم من جميع العيوب في ألفاظه ومعانيه، وأخباره وأحكامه. لأن قوله " عوجا " نكرة في سياق النفي. فهي تعم نفي جميع أنواع العوج. وما ذكره جل وعلا هنا من أنه لا اعوجاج فيه - بينه في مواضع أخر كثيرة كقوله

ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون

الزمر 27-28، وقوله

وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم

الأنعام 115. فقوله " صدقا " أي في الأخبار، وقوله " عدلا " أي في الأحكام وكقوله تعالى

أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا

النساء 82. والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا. وقوله في هذه الآية الكريمة ﴿ قيما ﴾ أي مستقيما لا ميل فيه ولا زيغ. وما ذكره هنا من كونه ﴿ قيما ﴾ لا ميل فيه ولا زيغ - بينه أيضا في مواضع أخر، كقوله

لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة

البينة 1-3، وقوله تعالى

إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم

الإسراء 9 الآية، وقوله

وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين

يونس 37. وقوله تعالى

ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون

يوسف 111 وقوله

الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين

البقرة 1-2، وقوله

الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير

هود 1 وقوله

ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا

الشورى 52 إلى غير ذلك من الآيات. وهذا الذي فسرنا به قوله تعالى ﴿ قيما ﴾ هو قول الجمهور وهو الظاهر. وعليه فهو تأكيد في المعنى لقوله ﴿ ولم يجعل له عوجا ﴾ لأنه قد يكون الشيء مستقيما في الظاهر وهو لا يخلو من اعوجاج في حقيقة الأمر. ولذا جمع تعالى، بين نفي العوج وإثبات الاستقامة. وفي قوله " قيما " وجهان آخران من التفسير الأول - أن معنى كونه " قيما " أنه قيم على ما قبله من الكتب السماوية، أي مهيمن عليه وعلى هذا التفسير فالآية كقوله تعالى

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٧٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٧٥١