60 - سورة الممتحنة
60.1
قوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أوليآء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جآءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم ﴾.
نهى تعالى المؤمنين عن اتخاذ العدو المشترك أولياء، ولفظ العدو مفرد، ويطلق على الفرد والجماعة.
ومن إطلاقه على الفرد قوله تعالى:
فقلنا يآدم إن هذا عدو لك ولزوجك
[طه: 117] يعني بالعدو إبليس.
ومن إطلاقه على الجمع قوله تعالى:
أفتتخذونه وذريته أوليآء من دوني وهم لكم عدو
[الكهف: 50]، والمراد به هنا الجمع لما ففي السياق من القرائن منها قوله " أولياء " بالجمع، ومنها ﴿ تلقون إليهم بالمودة ﴾ وهو ضمير جمع، ومنها ﴿ وقد كفروا ﴾ بواو الجمع، ومنها يخرجون أيضا بالجمع، وقوله بعدها
إن يثقفوكم يكونوا لكم أعدآء ويبسطوا
[الممتحنة: 2] وكلها بضمائر الجمع.
أما العدو المراد هنا فقد عم وخص في وصفه فوصفه أولا بقوله ﴿ وقد كفروا بما جآءكم من الحق ﴾ وخص بوصفه يخرجون الرسول، والوصف بالكفر يشمل الجميع، فيكون ذكرهما معا للتأكيد والاهتمام بالخاص، كقوله تعالى:
من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل
[البقرة: 98] ففي ذكر الخاص هنا وهو وصف العدو بإخراج الرسول والمؤمنين للتهييج على من أخرجوهم من ديارهم كقوله
وأخرجوهم من حيث أخرجوكم
[البقرة: 191].
وقد بين تعالى المراد بالذين أخرجوا الرسول والمؤمنين في عدة مواضع، منها قوله تعالى:
وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك
[محمد: 13] أي مكة، ومنها قوله:
إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار
[التوبة: 40] الآية.
فعليه يكون المراد بعدوي وعدوكم هنا، خصوص المشركين بمكة.
وقد أجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، وقصة الرسالة مع الظعينة لأهل مكة قبل الفتح بإخبارهم بتجهز المسلمين إليهم مما يؤيد المراد بالعدو هنا، ولكن، وإن كانت بصورة السبب قطعية الدخول إلا أن عموم اللفظ لا يهمل، فقوله ﴿ عدوى وعدوكم ﴾ ، وقوله: ﴿ وقد كفروا بما جآءكم من الحق ﴾ يشمل كل من كفر بما جاءنا من الحق كاليهود والنصارى والمنافقين ومن تجدد من الطوائف الحديثة.
وقد جاء النص على كل طائفة مستقلة، ففي سورة المجادلة عن المنافقين قوله تعالى:
ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم
[المجادلة: 14].
وتكلم عليها الشيخ رحمة الله تعالى عليه.
وعن اليهود في سورة الحشر كما تقدم، وعن اليهود والنصارى معا قوله تعالى:
يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أوليآء
[المائدة: 51].
ومن الطوائف المحدثة كل من كفر بما جاءنا من الحق من شيوعية وغيرهم، وكالهندوكية، والبوذية وغيرهم، ومما يتبع هذا العموم ما جاء في قوله تعالى:
يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أوليآء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون
[المائدة: 57-58].
فكل من هزئ بشيء من الدين أو اتخذه لعبا ولهوا فإنه يخشى عليه من تناول هذه الآية إياه.
تنبيه
ذكر المقابلة هنا بين عدوي وعدوكم أولياء فيه إبراز صورة الحال وتقبيح الفعل، لأن العداوة تتنافى مع الموالاة والمسارة للعدو بالمودة، وقد ناقش بعض المفسرين قضية التقديم والتأخير في تقديم عدوي أولا، وعطف عدوكم عليه، فقال الفخر الرازي: التقديم لأن عداوة العبد لله بدون علة، وعداوة العبد للعبد لعلة، وما كان بدون علة فهو مقدم على ما كان بعلة اه.
والذي يظهر والله تعالى أعلم: أن التقديم لغرض شرعي وبلاغي، وهو أن عداوة العبد لله هي الأصل، وهي أشد قبحا، فلذا قدمت، وقبحها في أنهم عبدوا غير خالقهم، وشكروا غير رازقهم، وكذبوا رسل ربهم وآذوهم.