تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

46 - سورة الأحقاف

46.1-2

قد قدمنا الكلام على الحروف المقطعة. في أول سورة هود، وقدمنا الكلام على قوله تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم في أول سورة الزمر.

46.3

قوله تعالى: ﴿ ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهمآ إلا بالحق وأجل مسمى ﴾.

صيغة الجمع في قوله: خلقنا للتعظيم.

وقوله: إلا بالحق أي خلقا ملتبسا بالحق.

والحق ضد الباطل، ومعنى كون خلقه للسماوات والأرض متلبسا بالحق أنه خلقهما لحكم باهر، ولم يخلقهما باطلا، ولا عبثا، ولا لعبا، فمن الحق الذي كان خلقهما متلبسا به، إقامة البرهان، على أنه هو الواحد المعبود وحده جل وعلا، كما أوضح ذلك في آيات كثيرة لا تكاد تحصيها في المصحف الكريم كقوله تعالى في البقرة

وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم

[البقرة: 163] ثم أقام البرهان على أنه هو الإله الواحد بقوله بعده:

إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ومآ أنزل الله من السمآء من مآء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دآبة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السمآء والأرض لآيات لقوم يعقلون

[البقرة: 164].

فتلبس خلقه للسماوات والأرض بالحق واضح جدا، من قوله تعالى: ﴿ إن في خلق السماوات والأرض ﴾ إلى قوله ﴿ لآيات لقوم يعقلون ﴾ [البقرة: 164] بعد قوله

وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو

[البقرة: 163] لأن إقامة البرهان القاطع على صحة معنى لا إله إلا الله هو أعظم الحق.

وكقوله تعالى:

ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون

[البقرة: 21]

الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بنآء وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون

[البقرة: 22]، لأن قوله ﴿ اعبدوا ربكم ﴾ فيه معنى الإثبات من لا إله إلا الله.

وقوله ﴿ فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ﴾ يتضمن معنى النفي منها على أكمل وجه وأتمه.

وقد أقام الله جل وعلا البرهان القاطع، على صحة معنى لا إله إلا الله، نفيا وإثباتا، بخلقه للسماوات والأرض، وما بينهما في قوله

الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بنآء

[البقرة: 21-22 } الآية.

وبذلك تعلم أنه ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا خلقا متلبسا بأعظم الحق، الذي هو إقامة البرهان القاطع، على توحيده جل وعلا، ومن كثرة الآيات القرآنية، الدالة على إقامة هذا البرهان، القاطع المذكور، على توحيده جل وعلا، علم من استقراء القرآن، أن العلامة الفارقة من يستحق العبادة، وبين من لا يستحقها، هي كونه خالقا لغيره، فمن كان خالقا لغيره، فهو المعبود بحق، ومن كان لا يقدر على خلق شيء، فهو مخلوق محتاج، لا يصح أن يعبد بحال.

فالآيات الدالة على ذلك كثيرة جدا كقوله تعالى في آية البقرة المذكورة آنفا:

ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم

[البقرة: 21] الآية.

فقوله: ﴿ الذي خلقكم ﴾ يدل على أن المعبود هو الخالق وحده، وقوله تعالى:

أم جعلوا لله شركآء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء

[الرعد: 16] الآية. يعني وخالق كل شيء هو المعبود وحده.

وقد أوضح تعالى هذا في سورة النحل، لأنه تعالى لما ذكر فيها البراهين القاطعة، على توحيده جل وعلا، في قوله

خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون

إلى قوله

وعلامات وبالنجم هم يهتدون

أتبع ذلك بقوله

أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون

[النحل: 3-17].

وذلك واضح جدا فى أن من يخلق غيره هو المعبود وأن من لا يخلق شيئا لا يصح أن يعبد.

ولهذا قال تعالى بعده قريبا منه

والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون

[النحل: 20]. وقال تعالى في الأعراف

أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٩٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٩٩٣