فإن طلقها فلا تحل له من بعد
البقرة 230 الآية. وبهذا قال عكرمة وطاوس وهو رواية عن عثمان بن عفان وابن عمر، وهو قول إسحاق بن راهويه، وأبي ثور وداود بن علي الظاهري كما نقله عنهم ابن كثير وغيره، وهو قول الشافعي في القديم وإحدى الروايتين عن أحمد. قال مقيده - عفا الله عنه - الاستدلال بهذه الآية على أن الخلع لا يعد طلاقا ليس بظاهر عندي. لما تقدم مرفوعا إليه صلى الله عليه وسلم من أن الطلقة الثالثة هي المذكورة في قوله ﴿ أو تسريح بإحسان ﴾ البقرة 229 وهو مرسل حسن. قال في فتح الباري والأخذ بهذا الحديث أولى، فإنه مرسل حسن يعتضد بما أخرجه الطبري من حديث ابن عباس بسند صحيح. قال
" إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين فليتق الله في الثالثة. فإما أن يمسكها فيحسن صحبتها، أو يسرحها فلا يظلمها من حقها شيئا ".
وعليه ففراق الخلع المذكور لم يرد منه إلا بيان مشروعية الخلع عند خوفهما ألا يقيما حدود الله. لأنه ذكر بعد الطلقة الثالثة. وقوله فإن طلقها إنما كرره. ليرتب عليه ما يلزم بعد الثالثة، الذي هو قوله
فلا تحل له من بعد
البقرة 230 الآية. ولو فرعنا على أن قوله تعالى ﴿ أو تسريح بإحسان ﴾ البقرة 229 يراد به عدم الرجعة، وأن الطلقة الثالثة هي المذكورة في قوله
فإن طلقها فلا تحل له
البقرة 230 الآية. لم يلزم من ذلك أيضا عدم عد الخلع طلاقا. لأن الله تعالى ذكر الخلع في معرض منع الرجوع فيما يعطاه الأزواج. فاستثنى منه صورة جائزة، ولا يلزم من ذلك عدم اعتبارها طلاقا، كما هو ظاهر من سياق الآية. وممن قال بأن الخلع يعد طلاقا بائنا مالك، وأبو حنيفة، والشافعي في الجديد، وقد روي نحوه عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، وشريح، والشعبي، وإبراهيم، وجابر بن زيد، والثوري، والأوزاعي، وأبو عثمان البتي، كما نقله عنهم ابن كثير وغيره. غير أن الحنفية عندهم أنه متى نوى المخالع بخلعه تطليقة أو اثنتين، أو أطلق فهو واحدة بائنة. وإن نوى ثلاثا فثلاث، وللشافعي قول آخر في الخلع وهو أنه متى لم يكن بلفظ الطلاق وعرى عن النية فليس هو بشيء بالكلية، قاله ابن كثير. ومما احتج به أهل القول بأن الخلع طلاق ما رواه مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن جهمان مولى الأسلميين، عن أم بكر الأسلمية أنها اختلعت من زوجها عبد الله بن خالد بن أسيد، فأتيا عثمان بن عفان في ذلك فقال تطليقة، إلا أن تكون سميت شيئا فهو ما سميت. قال الشافعي ولا أعرف جهمان، وكذا ضعف أحمد بن حنبل هذا الأثر قاله ابن كثير والعلم عند الله تعالى. وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود مثله وتكلم فيه بأن في سنده ابن أبي ليلى، وأنه سيئ الحفظ، وروى مثله عن علي وضعفه ابن حزم، والله تعالى أعلم. الفرع الأول ظاهر هذه الآية الكريمة أن الخلع يجوز بأكثر من الصداق. وذلك لأنه تعالى عبر بما الموصولة في قوله ﴿ فلا جناح عليهما فيما افتدت به ﴾ البقرة 229 وقد تقرر في الأصول أن الموصولات من صيغ العموم. لأنها تعم كل ما تشمله صلاتها كما عقده في مراقي السعود بقوله
صيغه كل أو الجميع وقد تلا الذي التي الفروع
وهذا هو مذهب الجمهور، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية ما نصه وقد اختلف العلماء - رحمهم الله - في أنه هل يجوز للرجل أن يفاديها بأكثر مما أعطاها. فذهب الجمهور إلى جواز ذلك. لعموم قوله تعالى ﴿ فلا جناح عليهما فيما افتدت به ﴾ البقرة 229. وقال ابن جرير حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، أخبرنا أيوب عن كثير مولى ابن سمرة أن عمر أتى بامرأة ناشز فأمر بها إلى بيت كثير الزبل ثم دعاها فقال كيف وجدت؟ فقالت ما وجدت راحة منذ كنت عنده إلا هذه الليلة التي كنت حبستني.
فقال لزوجها اخلعها ولو من قرطها، ورواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن كثير مولى ابن سمرة فذكر مثله، وزاد فحبسها فيه ثلاثة أيام. وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن حميد بن عبد الرحمن، أن امرأة أتت عمر بن الخطاب فشكت زوجها فأباتها في بيت الزبل، فلما أصبحت قال لها كيف وجدت مكانك؟ قالت ما كنت عنده ليلة أقر لعيني من هذه الليلة. فقال خذ ولو عقاصها. وقال البخاري وأجاز عثمان الخلع دون عقاص رأسها. وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن عبد الله بن محمد بن عقيل أن الربيع بنت معوذ بن عفراء حدثته قالت كان لي زوج يقل علي الخير إذا حضرني، ويحرمني إذا غاب. قالت فكانت مني زلة يوما، فقلت له أختلع منك بكل شيء أملكه قال نعم، قالت ففعلت. قالت فخاصم عمي معاذ ابن عفراء إلى عثمان بن عفان فأجاز الخلع، وأمره أن يأخذ عقاص رأسي، فما دونه، أو قالت ما دون عقاص الرأس. ومعنى هذا أنه يجوز أن يأخذ منها كل ما بيدها من قليل وكثير، ولا يترك لها سوى عقاص شعرها، وبه يقول ابن عمر وابن عباس وعكرمة ومجاهد وإبراهيم النخعي وقبيصة بن ذؤيب والحسن بن صالح وعثمان البتي. وهذا مذهب مالك، والليث، والشافعي، وأبي ثور، واختاره ابن جرير. وقال أصحاب أبي حنيفة إن كان الإضرار من قبلها جاز أن يأخذ منها ما أعطاها، ولا يجوز الزيادة عليه. فإن ازداد جاز في القضاء، وإن كان الإضرار من جهته لم يجز أن يأخذ منها شيئا، فإن أخذ جاز في القضاء. وقال الإمام أحمد وأبو عبيد وإسحاق بن راهويه لا يجوز أن يأخذ أكثر مما أعطاها، وهذا قول سعيد بن المسيب وعطاء وعمرو بن شعيب، والزهري، وطاوس، والحسن، والشعبي، وحماد بن أبي سليمان، والربيع بن أنس. وقال معمر والحكم كان علي يقول لا يأخذ من المختلعة فوق ما أعطاها. وقال الأوزاعي القضاة لا يجيزون أن يأخذ منها أكثر مما ساق إليها، قلت ويستدل لهذا القول بما تقدم من رواية قتادة عن عكرمة عن ابن عباس في قصة ثابت بن قيس، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منها الحديقة ولا يزداد. وبما روى عبد بن حميد حيث قال أخبرنا قبيصة عن سفيان عن ابن جريج، عن عطاء، أن النبي صلى الله عليه وسلم كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، يعني المختلعة، وحملوا معنى الآية على معنى ﴿ فلا جناح عليهما فيما افتدت به ﴾ البقرة 229 أي من الذي أعطاها. لتقدم قوله ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ﴾ البقرة 229 أي من ذلك وهكذا كان يقرؤها الربيع بن أنس فلا جناح عليهما فيما افتدت به منه رواه ابن جرير، ولهذا قال بعده ﴿ تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ﴾ البقرة 229 اه من ابن كثير بلفظه.