تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10.109

قوله تعالى ﴿ واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين ﴾ الآية. لم يبين هنا ما حكم الله به بين نبيه وبين أعدائه، وقد بين في آيات كثيرة أنه حكم بنصره عليهم، وإظهار دينه على كل دين، كقوله

إذا جآء نصر الله والفتح

النصر 1 إلى آخر السورة وقوله

إنا فتحنا لك فتحا مبينا

الفتح 1 إلى آخرها، وقوله

أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه

الرعد 41 الآية. إلى غير ذلك من الآيات.

11 - سورة هود

11.1

اعلم أن العلماء اختلفوا في المراد بالحروف المقطعة في أوائل السور اختلافا كثيرا، واستقراء القرآن العظيم يرجح واحدا من تلك الأقوال، وسنذكر الخلاف المذكور وما يرجحه القرآن منه بالاستقراء فنقول، وبالله جل وعلا نستعين قال بعض العلماء هي مما استأثر الله تعالى بعلمه. كما بيناه في " آل عمران " وممن روي عنه هذا القول أبو بكر، وعمر، وعثمان. وعلي، وابن مسعود - رضي الله عنهم - وعامر والشعبي، وسفيان الثوري، والربيع بن خيثم، واختاره أبو حاتم بن حبان. وقيل هي أسماء للسور التي افتتحت بها. وممن قال هذا بهذا القول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. ويروى ما يدل لهذا القول عن مجاهد، وقتادة، وزيد بن أسلم. قال الزمخشري في تفسيره وعليه إطباق الأكثر. ونقل عن سيبويه أنه نص عليه. ويعتضد هذا القول بما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة

" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿ الم ﴾ السجدة، و ﴿ هل أتى على الإنسان ﴾ ".

ويدل له أيضا قول قاتل محمد السجاد بن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنهما يوم الجمل، وهو شريح ابن أبي أوفى العبسي. كما ذكره البخاري في صحيحه في أول سورة المؤمن

يذكرني حاميم والرمح شاجر فهلا تلا حاميم قبل التقدم

وحكى ابن إسحاق أن هذا البيت للأشتر النخعي قائلا إنه الذي قتل محمد بن طلحة المذكور. وذكر أبو مخنف أنه لمدلج بن كعب السعدي. ويقال كعب بن مدلج. وذكر الزبير بن بكار أن الأكثر على أن الذي قتله عصام بن مقشعر. قال المرزباني وهو الثبت، وأنشد له البيت المذكور وقبله

وأشعث قوام بآيات ربه قليل الأذى فيما ترى العين مسلم هتكت له بالرمح جيب قميصه فخر صريعا لليدين وللفم على غير شيء غير أن ليس تابعا عليا ومن لا يتبع الحق يندم

يذكرني حاميم... البيت. ا ه من فتح الباري. فقوله " يذكرني حاميم " ، بإعراب " حاميم " إعراب ما لا ينصرف - فيه دلالة على ما ذكرنا من أنه اسم للسورة. وقيل هي من اسماء الله تعالى. وممن قال بهذا سالم بن عبد الله، والشعبي، وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير، وروي معناه عن ابن عباس رضي الله عنهما وعنه أيضا أنها أقسام أقسم الله بها. وهي من أسمائه. وروي نحوه عن عكرمة. وقيل هي حروف، كل واحد منها من اسم من أسماءه جل وعلا. فالألف من " الم " مثلا مفتاح اسم الله، واللام مفتاح اسمه اللطيف، والميم مفتاح اسمه مجيد، وهكذا. ويروى هذا عن ابن عباس، وابن مسعود، وأبي العاليه.

واستدل لهذا القول بأن العرب قد تطلق الحرف الواحد من الكلمة، وتريد به جميع الكلمة كقول الراجز

قلت لها قفي فقالت لي قاف لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف

فقوله " قاف " أي وقفت. وقول الآخر

بالخير خيرات وإن شرا فا ولا أريد الشر إلا أن تا

يعني وإن شرا فشر، ولا أريد الشر إلا أن تشاء. فاكتفى بالفاء والتاء عن بقية الكلمتين. قال القرطبي وفي الحديث

" من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة "

الحديث. قال سفيان هو أن يقول في أقتل أ ق. إلى غير ما ذكرنا من الأقوال في فواتح السور، وهي نحو ثلاثين قولا. أما القول الذي يدل استقراء القرآن على رجحانه فهو أن الحروف المقطعة ذكرت في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها. وحكى هذا القول الرازي في تفسيره عن المبرد، وجمع من المحققين، وحكاه القرطبي عن الفراء وقطرب، ونصره الزمخشري في الكشاف. قال ابن كثير وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس بن تيمية، وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي، وحكاه لي عن ابن تيمية. ووجه شهادة استقراء القرآن لهذا القول أن السور التي افتتحت بالحروف المقطعة يذكر فيها دائما عقب الحروف المقطعة الانتصار للقرآن وبيان إعجازه، وأنه الحق الذي لا شك فيه. وذكر ذلك بعدها دائما دليل استقرائي على أن الحروف المقطعة قصد بها إظهار إعجاز القرآن، وأنه حق. قال تعالى في البقرة

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٤٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٤٣٨