44 - سورة الدخان
44.3
قوله تعالى: ﴿ إنآ أنزلناه في ليلة مباركة ﴾.
أبهم تعالى هذه الليلة المباركة هنا، ولكنه بين أنها هي ليلة القدر في قوله تعالى
إنا أنزلناه في ليلة القدر
[القدر: 1] وبين كونها (مباركة) المذكورة هنا في قوله تعالى
ليلة القدر خير من ألف شهر
[القدر: 3] إلى آخر السورة.
فقوله ﴿ في ليلة مباركة ﴾ أي كثيرة البركات والخيرات.
ولا شك أن ليلة هي خير من ألف شهر، إلى آخر الصفات التي وصفت بها، في سورة القدر كثيرة البركات، والخيرات جدا.
وقد بين تعالى أن هذه الليلة المباركة هي ليلة القدر، التي أنزل فيها القرآن من شهر رمضان، في قوله تعالى
شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن
[البقرة: 185].
فدعوى أنها ليلة النصف من شعبان كما روي عن عكرمة وغيره، لا شك في أنها دعوى باطلة لمخالفتها لنص القرآن الصريح.
ولا شك كل ما خالف الحق فهو باطل.
والأحاديث التي يوردها بعضهم في أنهم من شعبان المخالفة لصريح القرآن لا أساس لها، ولا يصح سند شيء منها، كما جزم به ابن العربي وغير واحد من المحققين.
فالعجب كل العجب من مسلم يخالف نص القرآن الصريح، بلا مستند كتاب ولا سنة صحيحة.
44.4-6
قوله تعالى: ﴿ فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنآ ﴾.
معنى قوله يفرق، أي يفصل ويبين، ويكتب في الليلة المباركة، التي هي ليلة القدر، كل أمر حكيم، أي ذي حكمة بالغة لأن كل ما يفعله الله، مشتمل على أنواع الحكم الباهرة:
وقال بعضهم: حكيم، أي محكم، ولا تغيير فيه، ولا تبديل.
وكلا الأمرين حق لأن ما سبق في علم الله، لا يتغير ولا يتبدل، ولأن جميع أفعاله في غاية الحكمة.
وهي في الاصطلاح وضع الأمور في مواضعها وإيقاعها في مواقعها.
وإيضاح معنى الآية أن الله تبارك وتعالى في كل ليلة قدر من السنة يبين للملائكة ويكتب لهم، بالتفصيل والإيضاح جميع ما يقع في تلك السنة، إلى ليلة القدر من السنة الجديدة.
فتبين في ذلك الآجال والأرزاق والفقر والغنى، والخصب والجدب والصحة والمرض، والحروب والزلازل، وجميع ما يقع في تلك السنة كائنا ما كان.
قال الزمخشري في الكشاف: ومعنى يفرق: يفصل ويكتب كل أمر حكيم من أرزاق العباد وآجالهم، وجميع أمورهم فيها، إلى الأخرى القابلة إلى أن قال: فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخة الحروب إلى جبرائيل، وكذلك الزلازل، والصواعق والخسف، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا وهو ملك عظيم، ونسخة المصائب إلى ملك الموت ا ه محل الغرض منه بلفظه.
ومرادنا بيان معنى الآية، لا التزام صحة دفع النسخ المذكورة للملائكة المذكورين، لأنا لم نعلم له مستندا.
وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، يدل أيضا على أن الليلة المباركة هي ليلة القدر فهو بيان قرآني آخر.
وإيضاح ذلك أن معنى قوله
إنا أنزلناه في ليلة القدر
[القدر: 1] أي في ليلة التقدير لجميع أمور السنة، من رزق وموت، وحياة وولادة ومرض، وصحة وخصب وجدب، وغير ذلك من جميع أمور السنة.
قال بعضهم: حتى إن الرجل لينكح ويتصرف في أموره ويولد له، وقد خرج اسمه في الموتى في تلك السنة.
وعلى هذا التفسير الصحيح لليلة القدر، فالتقدير المذكور هو بعينه المراد بقوله ﴿ فيها يفرق كل أمر حكيم ﴾ [الدخان: 4].
وقد قدمنا في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى:
فظن أن لن نقدر عليه
[الأنبياء: 87] أن قدر بفتح الدال مخففا يقدر ويقدر بالكسر والضم كيضرب وينصر قدرا بمعنى قدر تقديرا، وأن ثعلبا أنشد لذلك قول الشاعر:
فليست عشيات الحمى برواجع
لنا أبدا ما أورق السلم النضر
ولا عائد ذاك الزمان الذي مضى
تباركت ما تقدر يقع ولك الشكر
وبينا هناك، أن ذلك هو معنى ليلة القدر، لأن الله يقدر فيها وقائع السنة.
وبينا أن ذلك هو معنى قوله تعالى: ﴿ فيها يفرق كل أمر حكيم ﴾ وأوضحنا هناك أن القدر بفتح الدال والقدر بسكونها هما ما يقدره الله من قضائه: ومنه قول هدبة بن الخشرم: