77.50
أي بعد هذا القرآن الكريم لما فيه من آيات ودلائل ومواعظ كقوله تعالى:
فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون
[الجاثية: 6].
وقد بين تعالى أنه نزله أحسن الحديث هدى في قوله تعالى:
الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشآء
[الزمر: 23].
وذكر ابن كثير في تفسيره عن ابن أبي حاتم إلى أبي هريرة يرويه: إذا قرأ
والمرسلات عرفا
[المرسلات: 1] فقرأ ﴿ فبأي حديث بعده يؤمنون ﴾ فليقل: آمنت بالله وبما أنزل.
وذكر في سورة القيامة عن أبي داود وأحمد عدة أحاديث بعدة طرق أنه صلى الله عليه وسلم قال:
" من قرأ في سورة الإنسان ﴿ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ﴾ [القيامة: 40] قال: سبحانك اللهم فبلى، وإذا قرأ سورة (والتين) فانتهى إلى قوله: ﴿ أليس الله بأحكم الحاكمين ﴾ [التين: 8] فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين "
ومن قرأ ﴿ والمرسلات ﴾ ، فبلغ ﴿ فبأي حديث بعده يؤمنون ﴾ فليقل: آمنا بالله اه.
وإنا نقول: آمنا بالله كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
78 - سورة النبإ
78.1-5
عم أصله عن ما أدغمت النون في الميم، ثم حذف ألف الميم، لدخول حرف الجر عليه للفرق بين ما الاستفهامية وما الموصولة.
والمعنى: عن أي شيء يتساءلون، وقد يفصل حرف الجر عن ما، فلا يحذف الألف.
وأنشد الزمخشري قول حسان رضي الله عنه:
على ما قام يشتمني لئيم
كخنزير تمرغ في رماد
وقال في الكشاف: وعن ابن كثير أنه قرأ عمه، بهاء السكت، ثم وجهها بقوله: إما أن يجرى الوصل مجرى الوقف، وإما أن يقف ويبتدئ يتساءلون عن النبإ العظيم، على أن يضمر يتساءلون، لأن ما بعده يفسره.
وقال القرطبي: قوله: عن النبإ العظيم: ليس متعلقا بيتساءلون المذكور في التلاوة، ولكن يقدر فعل آخر عم يتساءلون عن النبإ العظيم، وإلا لأعيد الاستفهام أعن النبإ العظيم؟
وعلى كل، فإن ما تساءلوا عنه أبهم أولا، ثم بين بعده بأنهم يتساءلون عن النبإ العظيم، ولكن بقي بيان هذا النبإ العظيم ما هو؟
فقيل: هو الرسول صلى الله عليه وسلم في بعثته لهم.
وقيل: في القرآن الذي أنزل عليه يدعوهم به.
وقيل في البعث بعد الموت.
وقد رجح ابن جرير: احتمال الجميع وألا تعارض بينها.
والواقع أنها كلها متلازمة، لأن من كذب بواحد منها كذب بها كلها، ومن صدق بواحد منها صدق بها كلها، ومن اختلف في واحد منها لا شك أن يختلف فيها كلها.
ولكن السياق في النبإ وهو مفرد. فما المراد به هنا بالذات؟
قال ابن كثير والقرطبي: من قال إنه القرآن: قال بدليل قوله:
قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون
[ص: 67-68].
ومن قال: إنه البعث قال بدليل الآتي بعدها:
إن يوم الفصل كان ميقاتا
[النبأ: 17].
والذي يظهر والله تعالى أعلم: أن أظهرها دليلا هو يوم القيامة والبعث، لأنه جاء بعده بدلائل وبراهين البعث كلها، وعقبها بالنص على يوم الفصل صراحة، أما براهين البعث فهي معلومة أربعة: خلق الأض والسماوات، وإحياء الأرض بالنبات، ونشأة الإنسان من العدم، وإحياء الموتى بالفعل في الدنيا لمعاينتها وكلها موجودة هنا.
أما خلق الأرض والسماوات، فنبه عليه بقوله:
ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا
[النبأ: 6-7]، وقوله:
وبنينا فوقكم سبعا شدادا وجعلنا سراجا وهاجا
[النبأ: 12-13] فكلها آيات كونية دالة على قدرته تعالى كما قال:
لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس
[غافر: 57].
وأما إحياء الأرض بالنبات ففي قوله تعالى:
وأنزلنا من المعصرات مآء ثجاجا لنخرج به حبا ونباتا وجنات ألفافا
[النبأ: 14-16] كما قال تعالى:
ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحى الموتى
[فصلت: 39].