تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اه ونحو هذا معلوم. قال تعالى

فاتقوا الله ما استطعتم

التغابن 16، وقال تعالى

لا يكلف الله نفسا إلا وسعها

البقرة 286، وقال صلى الله عليه وسلم

" إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم... "

الحديث. التنبيه الثاني - اعلم أن ما يفسر به هذه الآية الكريمة بعض الزنادقة الكفرة المدعين للتصوف من أن معنى اليقين المعرفة بالله جل وعلا، وأن الآية تدل على أن العبد إذا وصل من المعرفة بالله إلى تلك الدرجة المعبر عنها باليقين - أنه تسقط عنه العبادات والتكاليف. لأن ذلك اليقين هو غاية الأمر بالعبادة. إن تفسير الآية بهذا كفر بالله وزندقة، وخروج عن ملة الإسلام بإجماع المسلمين. وهذا النوع لا يسمى في الاصطلاح تأويلا، بل يسمى لعبا كما قدمنا في آل عمران. ومعلوم أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم هم وأصحابه هم أعلم الناس بالله، وأعرفهم بحقوقه وصفاته وما يستحق من التعظيم، وكانوا مع ذلك أكثر الناس عبادة لله جل وعلا، وأشدهم خوفا منه وطمعا في رحمته. وقد قال جل وعلا

إنما يخشى الله من عباده العلماء

فاطر 28 والعلم عند الله تعالى.

16 - سورة النحل

16.1

قوله تعالى ﴿ أتى أمر الله ﴾. أي قرب وقت إتيان القيامة. وعبر بصيغة الماضي تنزيلا لتحقق الوقوع منزلة الوقوع. واقتراب القيامة المشار إليه هنا بينه جل وعلا في مواضع أخر، كقوله

اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون

الأنبياء 1، وقوله جل وعلا

اقتربت الساعة وانشق القمر

القمر 1، وقوله

وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا

الأحزاب 63، وقوله

وما يدريك لعل الساعة قريب

الشورى 17، وقوله جل وعلا

أزفت الآزفة ليس لها من دون الله كاشفة

النجم 57-58 إلى غير ذلك من الآيات. والتعبير عن المستقبل بصيغة الماضي لتحقق وقوعه كثير في القرآن، كقوله

ونفخ في الصور فصعق من في السماوات

الزمر 68 الآية، وقوله

ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار

الأعراف 44 الآية، وقوله

وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهدآء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون وسيق الذين كفروا

الزمر 69-71 الآية. فكل هذه الأفعال الماضية بمعنى الاستقبال، نزل تحقق وقوعها منزلة الوقوع. وقوله تعالى ﴿ فلا تستعجلوه ﴾. نهى الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن استعجال ما وعد به من الهول والعذاب يوم القيامة. والاستعجال هو طلبهم أن يعجل لهم ما يوعدون به من العذاب يوم القيامة. والآيات الموضحة لهذا المعنى كثيرة، كقوله جل وعلا

ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجآءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين

العنكبوت 53-54، وقوله

يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها

الشورى 18، وقوله

ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه

هود 8 الآية، وقوله

وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب

ص 16، وقوله

قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون

يونس 50 إلى غير ذلك من الآيات. والضمير في قوله ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ في مفسره وجهان أحدهما أنه العذاب الموعد به يوم القيامة، المفهوم من قوله ﴿ أتى أمر ﴾. والثاني أنه يعود إلى الله. أي لا تطلبوا من الله أن يعجل لكم العذاب. قال معناه ابن كثير. وقال القرطبي في تفسيره قال ابن عباس لما نزلت

اقتربت الساعة وانشق القمر

القمر 1 قال الكفار إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت! فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون، فأمسكوا فانتظروا فلم يروا شيئا، فقالوا ما نرى شيئا! فنزلت

اقترب للناس حسابهم

الأنبياء 1 الآية. فأشفقوا وانتظروا قرب الساعة فامتدت الأيام فقالوا ما نرى شيئا، فنزلت ﴿ أتى أمر الله ﴾ فوثب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون وخافوا، فنزلت ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ فاطمأنوا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٥٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٥٤٧