تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

96 - سورة العلق

96.1-5

في هذه الآيات الخمس تسع مسائل مرتبط بعضها ببعض ارتباط السبب بالمسبب، والعام بالخاص، والدليل بالمدلول عليه، وكلها من منهج هذا الكتاب المبارك. وفي الواقع أنها كلها مسائل أساسية بالغة الأهمية عظيمة الدلالة.

وقد قال عنها شيخ الإسلام ابن تيمية: إنها وأمثالها من السور التي فيها العجائب، وذلك لما جاء فيها من التأسيس لافتتاحية تلك الرسالة العظيمة، ولا تستطيع إيفاءها حقها عجزا وقصورا.

وقد كتب فيها شيخ الإسلام ابن تيمية بأسلوبه مائتين وعشرين صفحة متتالية، وفصلا آخر في مباحث تتصل بها، ولو أوردنا كل ما يسعنا مما تحتمله، لكان خروجا عن موضوع الكتاب، ولذا فإنا نقصر القول على ما يتصل بموضوعه، إلا ما جرى القلم به مما لا يمكن تركه، وبالله تعالى التوفيق.

أما المسائل التسع التي ذكرت هنا، فإنا نوردها لنتقيد بها وهي:

أولا: الأمر بالقراءة، يوجه لنبي أمي.

والثانية: كون القراءة هذه باسم الرب سبحانه مضافا للمخاطب صلى الله عليه وسلم باسم ربك.

الثالثة: وصف للرب الذي خلق بدلا من اسم الله، واسم الذي يحيي ويميت أو غير ذلك.

الرابعة: خلق الإنسان بخصوصه، بعد عموم خلق وإطلاقه.

الخامسة: خلق الإنسان من علق، ولم يذكر ما قبل العلقة من نطفة أو خلق آدم من تراب.

السادسة: إعادة الأمر بالقراءة مع وربك الأكرم، بدلا من أي صفة أخرى، وبدلا من الذي خلق المتقدم ذكره.

الثامنة: التعليم بالقلم.

التاسعة: تعليم الإنسان ما لم يعلم.

لما كانت هذه السورة هي أول سورة نزلت من القرآن، وكانت تلك الآيات الخمس أول ما نزل منها على الصحيح، فهي بحق افتتاحية الوحي، فكانت موضع عناية المفسرين وغيرهم، والكلام على ذلك مستفيض في كتب التفسير والحديث والسيرة، فلا موجب لإيراده هنا. ولكن نورد الكلام على ما ذكرنا من موضوع الكتاب إن شاء الله.

أما المسألة الأولى: قوله تعالى: ﴿ اقرأ ﴾ ، فالقراءة لغة الإظهار، والإبراز، كما قيل في وصف الناقة: لم تقرأ جنينا، أي لم تنتج.

وتقدم للشيخ بيان هذا المعنى لغة وتوجيه الأمر بالقراءة إلى نبي أمي لا تعارض فيه، لأن القراءة تكون من مكتوب وتكون من متلو، وهنا من متلو يتلوه عليه جبريل عليه السلام، وهذا إبراز للمعجزة أكثر، لأن الأمي بالأمس صار معلما اليوم. وقد أشار السياق إلى نوعي القراءة هذين، حيث جمع القراءة مع التعليم بالقلم.

وفي قوله تعالى: ﴿ اقرأ ﴾ بدء للنبوة وإشعار بالرسالة، لأنه يقرأ كلام غيره.

وقوله تعالى: ﴿ باسم ربك ﴾ ، تؤكد لهذا الإشعار، أي ليس من عندك ولا من عند جبريل الذي يقرئك.

وقد قدمنا الرد على كونه صلى الله عليه وسلم لم يكتب ولا يقرأ مكتوبا، من أنه صيانة للرسالة، كما أنه لم يكن يقول الشعر وما ينبغي له، إذا لارتاب المبطلون.

كما قال تعالى:

وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك

[العنكبوت: 48] الآية. وذلك عند قوله تعالى:

هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته

[الجمعة: 2].

وهنا لم يبين ما يقرؤه ولكن مجيئ سورة القدر بعدها بمثابة البيان لما يقرؤه وهي:

إنا أنزلناه في ليلة القدر

[القدر: 1]، وجاء بيان ما أنزل في سورة الدخان

حم والكتاب المبين إنآ أنزلناه في ليلة مباركة

[الدخان: 1-3].

وللشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان لذلك عند قوله تعالى:

وعلمك ما لم تكن تعلم

[النساء: 113]، فكأنه في قوة اقرأ ما يوحي إليك من ربك، والمراد به هو القرآن بالإجماع.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ باسم ربك ﴾ ، أي اقرأ باسم ربك منشئا ومبتدئا القراءة باسم ربك، وقد تكلم المفسرون على الباء أهي صلة، ويكون اقرأ اسم ربك، أي قل باسم الله، كما في أوائل السور.

وقيل: الباء بمعنى على، أي على اسم ربك، وعليه: فالمقروء محذوف.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٥٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٥٤٦