50.45
قوله تعالى: ﴿ ومآ أنت عليهم بجبار ﴾.
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يونس في الكلام على قوله تعالى:
أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين
[يونس: 99].
قوله تعالى: ﴿ فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ﴾.
قد قدمنا الكلام عليه في سورة فاطر في الكلام على قوله تعالى:
إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة
[فاطر: 18] الآية.
51 - سورة الذاريات
51.1-6
أكثر أهل العلم، على أن المراد بالذاريات الرياح. وهو الحق إن شاء الله، ويدل عليه أن الذرو صفة مشهورة من صفات الرياح.
ومنه قوله تعالى
فأصبح هشيما تذروه الرياح
[الكهف: 45]، ومعنى تذروه: ترفعه وتفرقه، فهي تذرو التراب والمطر وغيرهما، ومنه قول ذي الرمة:
ومنهل آجن قفر محاضره
تذرو الرياح على جماته البعرا
ولا يخفى سقوط قول من قال: إن الذاريات النساء.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ فالحاملات وقرا ﴾ أكثر أهل العلم على أن المراد بالحاملات وقرا: السحاب. أي المزن تحمل وقرا ثقلا من الماء.
ويدل لهذا القول تصريح الله جل وعلا بوصف السحاب بالثقال، وهو جمع ثقيلة، وذلك لثقل السحابة بوقر الماء الذي تحمله كقوله تعالى
وينشىء السحاب الثقال
[الرعد: 12]، وهو جمع سحابة ثقيلة، وقوله تعالى
حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت
[الأعراف: 57].
وقال بعضهم: المراد بالحاملات وقرا: السفن تحمل الأثقال من الناس وأمتعتهم، ولو قال قائل: إن الحاملات وقرا الرياح أيضا كان وجهه ظاهرا.
ودلالة بعض الآيات عليه واضحة، لأن الله تعالى صرح بأن الرياح تحمل السحاب الثقال بالماء، وإذا كانت الرياح هي التي تحمل السحاب إلى حيث شاء الله، فنسبه حمل ذلك الوقر إليها أظهر من نسبته إلى السحاب التي هي محمولة للرياح، وذلك في قوله تعالى
وهو الذي يرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت
[الأعراف: 57] الآية.
فقوله تعالى: ﴿ حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا ﴾: أي حتى إذا حملت الرياح سحابا ثقالا، فالإقلال الحمل، وهو مستند إلى الريح. ودلالة هذا على أن الحاملات وقرا هي الرياح ظاهرة كما ترى، ويصح شمول الآية لجميع ذلك.
وقد قدمنا مرارا أنه هو الأجود في مثل ذلك، وبينا كلام أهل الأصول فيه، وكلامهم في حمل المشترك على معنييه أو معانيه، في أول سورة النور وغيرها.
والقول بأن الحاملات وقرا: هي حوامل الأجنة من الإناث، ظاهر السقوط، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ فالجاريات يسرا ﴾ [الذاريات: 3] أكثر أهل العلم على أن المراد بالجاريات يسرا: السفن تجري في البحر يسرا أي جريا ذا يسر أي سهولة.
والأظهر أن هذا المصدر المنكر حال كما قدمنا نحوه مرارا: أي فالجاريات في حال كونها ميسرة مسخرا لها البحر، ويدل لهذا القول كثرة إطلاق الوصف بالجري على السفن كقوله تعالى:
ومن آياته الجوار في البحر
[الشورى: 32]. الآية، وقوله:
إنا لما طغا المآء حملناكم في الجارية
[الحاقة: 11]، وقوله تعالى
والفلك تجري في البحر بأمره
[الحج: 65] وقوله تعالى:
الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره
[الجاثية: 12] إلى غير ذلك من الآيات.
وقيل الجاريات الرياح. وقيل غير ذلك.
وقوله تعالى: ﴿ فالمقسمات أمرا ﴾: هي الملائكة يرسلها الله في شؤون وأمور مختلفة، ولذا عبر عنها بالمقسمات، ويدل لهذا قوله تعالى:
فالمدبرات أمرا
[النازعات: 5]، فمنهم من يرسل لتسخير المطر والريح، ومنهم من يرسل لكتابة الأعمال، ومنهم من يرسل لقبض الأرواح، ومنهم من يرسل لإهلاك الأمم، كما وقع لقوم صالح.
والتحقيق أن قوله: أمرا مفعول به للوصف الذي هو المقسمات، وهو مفرد أريد به الجمع.
وقد أوضحنا أمثلة ذلك في القرآن العظيم، وفي كلام العرب من تنكير المفرد كما هنا، وتعريفه وإضافته في أول سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: