29.69
قوله تعالى: ﴿ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ﴾
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الذين جاهدوا فيه، أنه يهديهم إلى سبل الخير والرشاد، وأقسم على ذلك بدليل اللام في قوله: لنهدينهم.
وهذا المعنى جاء مبنيا في آيات أخر كقوله تعالى:
والذين اهتدوا زادهم هدى
[محمد: 17]. وقوله تعالى:
فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا
[التوبة: 124] الآية. كما تقدم إيضاحه.
قوله تعالى: ﴿ وإن الله لمع المحسنين ﴾
قد قدمنا إيضاحه في أخر سورة النحل في الكلام على قوله تعالى:
إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون
[النحل: 128].
30 - سورة الروم
30.6-7
قوله تعالى: وعد الله، مصدر مؤكد لنفسه، لأن قوله قبله:
وهم من بعد غلبهم سيغلبون
[الروم: 3] إلى قوله:
ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله
[الروم: 45] هو نفس الوعد كما لا يخفى، أي وعد الله ذلك وعدا.
وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أربعة أمور:
الأول: أنه لا يخلف وعده.
والثاني: أن أكثر الناس وهم الكفار لا يعلمون.
والثالث: أنهم يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا.
والرابع: أنهم غافلون عن الآخرة. وهذه الأمور الأربعة جاءت موضحة في غير هذا الموضع.
أما الأول منها: وهو كونه لا يخلف وعده، فقد جاء في آيات كثيرة كقوله تعالى:
إن الله لا يخلف الميعاد
[الرعد: 31] وقد بين تعالى أن وعيده للكفار لا يخلف أيضا في آيات من كتابه كقوله تعالى:
قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد ما يبدل القول لدي
[ق: 2829] الآية.
والتحقيق: أن القول الذي لا يبدل لديه في هذه الآية الكريمة، هو وعيده للكفار.
وكقوله تعالى:
كل كذب الرسل فحق وعيد
[ق: 14] وقوله:
إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب
[ص: 14]، فقوله: حق في هاتين الآيتين. أي وجب وثبت، فلا يمكن تخلفه بحال.
وأما الثاني منها: وهو أن أكثر الناس وهم الكفار لا يعملون، فقد جاء موضحا في آيات كثيرة، فقد بين تعالى في آيات أن أكثر الناس هم الكافرون كقوله تعالى:
ولكن أكثر الناس لا يؤمنون
[هود: 17]. وقوله تعالى:
ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين
[الصافات: 71]، وقوله تعالى:
إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين
[الشعراء: 8 67103139158174-190]. وقوله تعالى:
وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون
[الأنعام: 116]، وقوله تعالى:
ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين
[يوسف: 103] إلى غير ذلك من الآيات.
وقد بين جل وعلا أيضا في آيات من كتابه أن الكفار لا يعلمون كقوله تعالى:
أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون
[البقرة: 170]. وقوله تعالى:
أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون
[المائدة: 104]، وقوله تعالى:
ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعآء وندآء صم بكم عمي فهم لا يعقلون
[البقرة: 171]، وقوله تعالى:
أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا
[الفرقان: 44] وقوله تعالى:
ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بهآ أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون
[الأعراف: 179]، وقوله تعالى:
وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير
[الملك: 10] إلى غير ذلك من الآيات.
وأما الثالث منها: وهو كونهم يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا، فقد جاء أيضا في غير هذا الموضع كقوله تعالى:
وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين
[العنكبوت: 38]: أي في الدنيا. وقوله تعالى:
فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى
[النجم: 2930] الآية.
وأما الرابع منها: وهو كونهم غافلين عن الآخرة فقد جاء في آيات كثيرة كقوله تعالى عنهم: